23 أغسطس, 2017

والعلم في الكبر .. أيضا

والعلم في الكبر .. أيضا

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فإن العلم الشرعي النافع، من أجلّ ما تستهلك الأعمار في طلبه، وتستنفد الأوقات في ابتغائه. وحسبك بشيء اتفق العقلاء في هذه الأمة على فضله وعلى التنفير من ضده، واتحدت كلمتهم على الحث على تحمله وبثه بين عموم الناس.

وما زاد عمري انقضاء إلا ازددت إلى العلم صبوة، وبعظيم نفعه تيقنا، وبخطر التفريط فيه اقتناعا.

وما زلت أتعجب ممن يخوض غمار السياسة، أو يتقحم لجج الدعوة، أو يتحمل أمانة الحسبة، وهو خِلو من العلم الشرعي النافع، أو بضاعته منه صُبابة يسيرة لا تغني شيئا!

ولا ينقضي عجبي ممن يطلب الهدى في مضايق الفكر، ومتاهات العقول، من أساطين الفلسفة، ودهاقنة الفكر الغربي، والحال أن أكثر ما عندهم – وإن لووا به أشداقهم، وحبّروا له ألفاظهم – موجود في أسفار العلوم الشرعية، بأبهى لفظ، وأجمل تعبير، مع السلامة من الانحراف والتحريف. ولكن ما أشبههم بالذي ينقّب عن الدر في أصلاد الصخر، ونفائسُ الجوهر محشودة في جؤنته التي إلى جنبه.

كالعيس في البيداء يقتلها الظما = والماء فوق ظهورها محمول!

وإذا كان العلم الشرعي بهذه المنزلة المنيفة، فقد اشتهر عند الناس أن طلبه إنما يكون في ميعة الصبا، وحداثة السن.

ويروون في هذا المعنى حديثا لفظه: (الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر). لكنه لا تصح نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام بعض السلف فيما يقول الحافظ ابن عبد البر. وورد بلفظ: (العلم في الصغر كالنقش في الحجر)، قال عنه العجلوني: (رواه البيهقي عن الحسن البصري من قوله). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (هذا مثل سائر، ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم).

ولا يقنع بعضهم بمضمون هذه القولة المأثورة، حتى يزيد إليها ما يؤكد معناها بذكر مقابله: (والحفظ في الكبر كالنقش على الماء)!.

 

فوائد طلب العلم في الصغر

ولا يشك متتبع عاقل في الفوائد العظيمة التي يجنيها الطالب، إذا هو شرع في طلب العلم في سن مبكرة، فإن التبكير في كل شيء مظنة الفلاح فيه، فكيف لا يكون ذلك في طلب العلم الشرعي؟

فمن الفوائد الجليلة:

·        أن ذهن الصغير أنشط، وحافظته أوعى؛ فهو لذلك أكثر تأهلا للكرع من حياض العلم، والتزود من نبعها النمير.

·        أن الشواغل الصارفة عن الجد، والعوائق المشتتة للذهن، أقل عند صغير السن، إن لم تكن منعدمة أصلا.

·        أن الصغير لا يستحيي من الجلوس في مجالس التعلم، ولا يقع في ذهنه تكبّرٌ عن الاستفادة والسؤال، خلافا للكبير.

·        أن الانشغال بطلب العلم منذ الصبا من أفضل أنواع النشأة في الطاعة، التي ورد في فضلها الوعد الغالي، في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، إذ منهم: (شاب نشأ في عبادة ربه). وهل من عبادة ينشغل بها الصغير – غير الواجبات العينية -، هي أعظم نفعا من طلب العلم الذي يضيء له درب الحياة، ويفتح له أبواب الرشاد؟

وقد تفطن أجدادنا إلى هذه الفوائد وغيرها، فكانوا يحرصون على إلحاق الأطفال بالكتاتيب والمدارس، في أصغر سن يقدرون فيه على الحضور، ويهتمون لإسماعهم الحديث والاستجازة لهم من كبار الحفاظ المعمرين، حرصا على تحصيل علو الإسناد.

وكان أغلب ما يشتغل الأطفال به: القرآن الكريم حفظا وتجويدا ورسما وضبطا وجمعَ قراءات، ثم متون العربية من نحو وصرف وبلاغة ولغة، (وقد يبدأ ببعض علوم العربية مع القرآن أو قبله، لأنها آلة تحصيله)؛ ثم سائر متون العلم الشرعي النافع.

 

خطأ الإطلاق في موضع التقييد

إن ما سبق لنا ذكره عن فوائد التعلم في الصغر، يراد به على الخصوص: حث الأولياء على تعليم الأطفال، واغتنام أوقات صباهم في تلقينهم النافع من علوم الشريعة.

لكن فهم بعض الناس من ذلك معنى آخر، لم يقصده سلفنا الصالح، وهو: تثبيط كبار السن عن التعلم، وحرمانهم من لذة الطلب، بدعوى أن ذلك لغيرهم لا لهم، وأما هم فقد فاتهم الركب، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، فليستكينوا إلى الدعة والراحة، فقد فاز المفردون السابقون إلى ذرى المعالي، حين كانوا هم في حمأة الغفلة، ومستنقع الوسَن!

وقد بلغ الأمر درَكا فظيعا من سوء الفهم، حتى لقد جاءني ذات يوم فتى يسألني قائلا: (إن عمري خمسة عشر عاما، وأريد الشروع في طلب العلم، فهل يمكنني ذلك أم أنني تأخرت؟)

فتعجبت من هذا الفهم السقيم، الذي لبّس الشيطان به على بعض الناس، فصرفهم عن كثير من الخير!

وأذكر أنني حين شرعت في طلب العلم – وكان ذلك متأخرا نسبيا – كان معي أحد الإخوة، فامتنع عن البدء معي، متعللا بكبر السن، وفوات الركب. فما استمعت لكلامه، ولا ألقيت لرأيه بالا. ثم مضت السنوات فندم على ذلك – فيما أحسب – أشد الندم، وهو الآن ممن يستفتيني في مسائل العلم المختلفة!

ولهذا أقول: إن قولهم (العلم في الصغر كالنقش على الحجر) حق في نفسه من جهة الأصل، ولكن لا ينبغي أن يستعمل في معنى باطل.

ومن أخطر المعاني الباطلة: أن بعض الناس يجعل هذه المقولة وأضرابها، شماعة يعلقون عليها تكاسلهم عن الحفظ، وقعودهم عن طلب العلم؛ بل يجعلهم اعتدادُهم بها يائسين من التعلم مطلقا!

وقد نقل البخاري رحمه الله في صحيحه عن عمر رضي الله عنه قوله: (تفقهوا قبل أن تُسَوّدوا) أي: قبل أن يجعلكم قومكم سادة. وفي بعض روايات الجامع الصحيح: (قال أبو عبد الله – أي البخاري -: وبعد أن تسودوا!).

يريد البخاري بذلك أن يصحح الفهم السيء لكلام الفاروق رضي الله عنه، كما قال الحافظ ابن حجر: (ليبين أن لا مفهوم له، خشية أن يفهم أحد من ذلك أن السيادة مانعة من التفقه. وإنما أراد عمر أنها قد تكون سببا للمنع لأن الرئيس قد يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلمين).

 

مزايا للكبير في باب طلب العلم

والحق أن الحفظ والتعلم ممكنان في كل مراحل العمر، بل قد يوجد في الكبر ما يجعل طلب العلم أسهل وأقوى.

فمن ذلك:

·               أن كبير السن يعرف فضل طلب العلم، والأجر الجزيل الذي وعد الله به من يلتمس طريقا إلى العلم. فدوافعه الباطنة قوية، والحافز النفسي عظيم. أما الطفل فالغالب أنه يطلب العلم مدفوعا إليه من وليه، ترغيبا أو ترهيبا. فشتان ما بين الحالين!

·               للكبير قدرات ذهنية متطورة، تساعده على فهم الكلام بسرعة، وربطه في سياقه بما قبله وما بعده. ولا شك أن الفهم يساعد على الحفظ كثيرا.

·               إذا كان الصغير قليل الهموم والصوارف النفسية، فإنه كثير الانشغال بأمور أخرى مثل اللهو مع أترابه، والالتزامات المدرسية التي تأكل الوقت أكلا (وغالب الأطفال اليوم لا بد لهم من المدرسة).

وهنالك مزايا أخرى، لا أطيل بذكرها.

وقد شرع كثير من العلماء في طلب العلم على كبر سنهم، يذكر أصحاب التراجم منهم جماعة، من أشهرهم: ابن حزم الأندلسي، والقفال المروزي. وقبلهم كثير من الصحابة ما تعلموا إلا على كبر.

كما أن جماعة من العلماء قدموا أمثلة عالية جدا في الاستمرار على طلب العلم في كل مراحل العمر، منهم الإمام ابن مالك النحوي الشهير صاحب الألفية وغيرها من الكتب: حفظ في يوم وفاته خمسة شواهد شعرية. والإمام ابن هشام صاحب المصنفات النافعة، كان شافعيا ثم أصبح حنبليا قبل وفاته بخمس سنين، وحفظ مختصر الخِرَقي في ستة أشهر!

وأعرف شيوخا وعجائز أقبلوا على التعلم وحفظ القرآن بهمة عالية لا يملكها أصحاب العشرين، فحققوا نتئج طيبة عالية.

 

فعليك بطلب العلم في كل حين، فإنك لا تدري في أي مراحل عمرك تكون البركة.

فإن قيل لك: كبرت سنك، وطلب العلم إنما يكون في الصغر!

فلتجب: لأن ألقى الله طالبا للعلم خير من أن ألقاه زاهدا فيه، مع ما ورد فيه من الفضل!

ولأن أشغل أوقاتي بالعلم خير من أن أشغلها بما لا نفع يرجى منه.

والله الموفق.

 

نشر في مجلة حراس الشريعة في عدد ذي الحجة 1434

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

إلى الأعلى