25 يونيو, 2017

نقد بعض المقولات السياسية الفاسدة

نقد بعض المقولات السياسية الفاسدة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فقد فشت في الأمة مقولات سياسية أطلقتها نخبة إسلامية منذ مدة في سياق معين، ثم وجدت طريقها بفعل الإعلام الغامر إلى أذهان عموم المشتغلين بفقه الواقع من أبناء الحركة الإسلامية، وانتشرت في الخطاب الإسلامي العام انتشار النار في الهشيم.

وهذه المقولات – في أصلها – اجتهاد من قائلها، يرجى له في ذلك الثواب، إن كان من أهل الاجتهاد، وأخلص في اجتهاده النية، وقصد النصح للأمة. ولأنها اجتهادية، فإنها قابلة للنقد والمراجعة، متى ظهرت مخالفتها للشرع، أو فقدت نجاعتها في الواقع، أو اجتمع فيها الأمران! ويكون الإصرارُ عليها بعد تبين ذلك – بدعوى أن القائل بها من أئمة العلم وأهل التخصص – ضربا من الانتحار الفكري والفشل الواقعي.

وقد ارتأيت أن أنتقي في مقالي هذا من هذه المقولات أربعةً، هي من أكثرها انتشارا، وأشدها فسادا – في نظري، لأبين فسادها بالاختصار اللائق بالمقام.

 

المقولة الأولى:

” إذا خلّي بين الناس اليوم وبين الإسلام فإنهم لا يختارون إلا الإسلام ليحكمهم ”

هكذا قال كثير من المنظرين للمشاركة السياسية الديمقراطية، في جواب من يطرح عليهم السؤال البدهي المشروع:

(الديمقراطية تعني حكم الشعب، فماذا لو اختار الشعب نظاما غير إسلامي؟ وماذا لو اختار نواب الشعب تحليل ما حرمه الله، أو تحريم ما أحله الله؟).

ويكون الجواب حينئذ: هذا افتراض بعيد أو محال، لأن أغلبية الشعوب الإسلامية إذا رفع عنها حكم الإكراه، ولم تزوّر إرادتها السياسية، سوف ترضى بحكم الله، وتذعن لسيادة الشريعة على القوانين.

وهذه المقولة فاسدة في الواقع، فوق فسادها في ميزان الشرع.

فأما في الشرع، فإن مجرد الرضا بجعل حكم الشريعة خاضعا للاختيار البشري الحر، كفرٌ مبين. إذ شرع الله سائد لا مسود، وحاكم لا محكوم؛ ولا يكون المسلم مسلما حتى يذعن للشرع المنزل على أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما).

وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة.

وأما فسادها في الواقع، فقد دلت التجارب الحديثة في الذي يسمى إعلاميا بـ”الربيع العربي”، على أن الإسلاميين لا يحصلون بالضرورة على أغلبية مطلقة، بل – إن فازوا بالأغلبية – كان ذلك بهامش ضئيل، يحوجهم إلى مسلسل مقيت من التحالفات والتنازلات.

والكلام هنا عن الإسلاميين الذين يرفعون شعار الإسلام، مخلوطا بما لا يحصى من الشعارات الجاهلية المناقضة لحقيقته، أو قل: أصحاب العلمانية المتدثرة باسم الإسلام! أما الذين يريدون تحكيم الشرع الحنيف كاملا غير منقوص، صافيا غير مخلوط، فإن النظام الديمقراطي يلفظهم ابتداء)[1](!

 

إن هذه التجارب المحبطة، تجعل القوم محتاجين إلى مراجعة فكرية شاملة، لكثير من الأسس التي بنوا عليها منهجهم في المشاركة الديمقراطية.

صحيح أن الأصل في المسلم أن يقبل حكم الإسلام، ولكن لا يمكن إغفال الانحرافات الخطيرة التي صار أغلب عوام المسلمين يستبطنونها، لأسباب مختلفة تدور على أصلين جامعين:

       أبواق التحريف، التي تنشر الشبهات، وتحرّف الفطر. ويدخل في هذه الأبواق: الإعلام الحاقد، ومشايخ السوء، والسياسيون والفنانون وغيرهم.

       مؤسسات اللذة، التي تزين الشهوات المحرمة، وتعلي شأنها في ترتيب الانشغال الإنساني، حتى يصبح المقبل عليها حريصا على استمرارها، حرصَ المتدين على بقاء دينه!

وهكذا صار ضحايا الشبهة والشهوة، بعد عقود من التحريف والتنميط، غير مستعدين لحكم الشرع، مع انتسابهم الظاهري للإسلام!

وهذا يقتضي من دعاة الحق جهدا جبارا في تحقيق البناء التربوي العلمي الشامل، لمدة زمنية كافية، لتصحيح الانحراف الفكري، وتحصيل المناعة ضد الشهوات الماحقة.

وإذا علم أن هذا البناء لا يكون إلا مع وجود معاول الهدم الدائبة، عُلمت صعوبة العمل، وبالتالي فساد المقولة على أرض الواقع في العقود القليلة المقبلة، على الأقل.

 

المقولة الثانية:

” توسيع قاعدة مقاومة الطغيان تقتضي الالتزام الظاهر بأصول الخصم والتخلي عن المرجعية الأصلية إلى حين ”

يشعر كثير من الإسلاميين بعقدة النقص أمام طغيان الجاهلية العصرية، بجبروتها العسكري والسياسي، وتسلطها الاقتصادي والإعلامي. وتتضاءل في أذهان هؤلاء معاني اللجإ إلى الله، وصدق التوكل عليه، في هذه المواجهة غير المتكافئة بالمقاييس المادية، كما يفترضون في الواقع الذي يتحركون فيه ثباتا لا يتغير، ولا يقبل التطور نحو الأفضل.

لهذا كله، يقع هؤلاء في يأس غير معلن، يفضي بهم إلى تقديم بعض التنازلات الفكرية، لتذويب بعض الجليد الحائل بينهم وبين خصومهم، على حد قول القائل: ”إذا كنت لا تستطيع جلب الآخر عندك، فاخط أنت بعض الخطوات تجاهه”.

ومن أخطر هذه التنازلات: الدعوة إلى التحالف السياسي مع من يسمونهم – لضرورة تسويغ هذا التحالف -: الشرفاء والأحرار والديمقراطيين، وما أشبه هذه الألقاب.

وأخطر من هذا التحالف: التنازلُ عن المرجعية العليا التي تحكم حركة الإسلاميين في مستنقع السياسة، والالتزام بأصول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان – بمعانيها المتقررة عن الغربيين -، وذلك بهدف تجميع جبهة عريضة تتحد في مقاومة الظلم الداخلي، والطغيان العالمي.

وكما ذكرت في المقولة الأولى، أقول هنا أيضا: إن هذه المقولة فاسدة في الشرع والواقع معا.

فأما في الشرع، فالأمر واضح جلي لأنه تنازل عقدي لغير إكراه، ثم لأن التحالف مع أعداء الدين مناقض – في الأصل – لما استقر من عقيدة الولاء والبراء. مع أننا لسنا ننكر وقوع حلف تكتيكي، لتحقيق مصلحة دينية معتبرة، لكن على أن يكون ذلك من قبيل الضرورة التي تقدر بقدرها، مع الحرص على حفظ المرجعية العقدية من التحريف.

وأما من جهة النظر الواقعي، فالذي رأيناه مرارا أن الإسلاميين يتخلون عن مرجعيتهم، ويصر خصومهم السياسيون على ما عندهم من مرجعية فكرية، بل ما يزيدهم تنازل الإسلاميين إلا ثباتا على باطلهم!

ورأينا أيضا هؤلاء ”الشرفاء الأحرار الديمقراطيين” يجعلون مبادئ الحرية والديمقراطية دبر آذانهم، عندما يرون الإسلاميين يخرجون من ضيق المعارضة والاستضعاف إلى سعة الحكم والتغلب؛ ولا يمانعون حينئذ في تسويغ حكم الطغيان، وتقديمه على حكم الإسلام.

وليست هذه نظرة سوداوية من وحي الواقع الأليم، بل هي حصيلة تجربة مريرة للحركات الإسلامية، في بلاد مختلفة.

فحتامَ التحالف مع أمثال هؤلاء، وإهدار المرجعية الإسلامية الواضحة، لأجل إرضاء تلك النخبة المتخبطة في حمأة النفاق السياسي؟

ومما يَخدع به هؤلاء الإسلاميون أنفسَهم وقواعدَهم الجماهيرية، قولُهم: (هذا تنازل مرحلي لتحقيق مكاسب آنية، سنرجع عنه عند انتفاء سببه)، وهو معنى لفظة (إلى حين) الواردة في آخر المقولة موضعِ البحث.

والحق أن التنازل المرحلي سرعان ما يتحول إلى انحراف دائم، كما بينت ذلك في مقالي (خطوات الشيطان))[2](، فلا أحتاج لإعادته هنا.

 

المقولة الثالثة:

” لا بديل عن المشاركة البرلمانية لتخفيف الظلم ”

يُسبب ضيقُ العطن، وقلة الاطلاع على حركة التاريخ، وسننِ التغيير، جمودا على بعض الوسائل الموصلة للمراد، وعجزا عن رؤية غيرها. فيقع للمصاب بذلك ألا يتصور – في مجالات كثيرة – بديلا عن الوسيلة الشائعة، التي يتداولها أكثر الناس. فإذا أنكرت عليه هذه الوسيلة، أو تبين له مناقضتها للشرع أو عدم نجاعتها في الواقع، أصرّ عليها، وقال: وما البديل؟

وهذه الحالة المَرضية، تتجلى على الخصوص في قضية المشاركة البرلمانية)[3](، فإن المترخصين بها حين يجابَهون بالبراهين الدالة على حرمتها في ميزان الشرع، يقولون: لا بديل عن هذه المشاركة البرلمانية، لأجل تخفيف الظلم، وتقليل مفاسد الطغيان. أم تريدون منا أن نقعد متفرجين، لا نصنع شيئا؟

وفي هذا الكلام مغالطتان:

الأولى: أن الفعل إذا ثبتت مخالفته للشرع، وجب الانتهاء عنه مطلقا، أي سواء أعلم وجود بديل عنه، أم لم يعلم ذلك. فليس وجود البديل شرطا في الكف عن الفعل المحرم!

والثانية: أن هؤلاء النفاة لا دليل لديهم على عدم وجود البديل سوى عدم العلم بوجوده. والحق أن البدائل موجودة، يعلمها من يحرر ذهنه من سطوة هذه المقولة الفاسدة. ولا يتسع المقام لبسط ذلك.

 

المقولة الرابعة:

” ما خرج شخص على حكم قائم، إلا انتهى الأمر بفشله وسفك دمه، مع إحداث فتنة عظيمة ”

 

وهذه المقولة يمكن إدراجها في خانة الأخطاء الشائعة، المبنية على استقراء ناقص جدا!

فإن القائلين بها يستحضرون خروج الحسين بن علي رضي الله عنهما، وخروج زيد بن علي ومحمد النفس الزكية وأمثال هؤلاء، رحمهم الله، من الذين خرجوا على الحكام ففشلت ثوراتهم، ووقعت فتن عمياء.

ولكنهم يغضون الطرف عن ثورات أخرى ناجحة، سواء في التاريخ الإسلامي، أو في تاريخ الأمة عموما.

فإننا نستطيع أن نقول مطمئنين: ما قامت دولة – في الغالب الأعم – في تاريخ الأمة الطويل، إلا بعد خروجٍ مسلح على حكم قائم.

 

ومن أمثلة ذلك: ثورة المروانيين على عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما)[4](، وثورة العباسيين على الأمويين، والأمويين في الأندلس على العباسيين، والأدارسة على العباسيين، والموحدين على المرابطين، وما لا يحصى من أنواع الخروج المسلح الناجح.

ولو شئت أن أحصي الأمثلة لما انتهيت، فالتاريخ كله: دول تقوم على أنقاض دول أخرى؛ والدول القائمة كلها تبدأ من دعوة فرد أو مجموعة أفراد، لا يزالون يتقوون حتى تصير لهم شوكة، وقدرة على التغيير.

ولذلك نص العلماء على وجوب طاعة المتغلب المسلم المحكم للشرع، وهل يكون التغلب إلا بعد ثورة ناجحة؟

أما لو وسعنا دائرة النظر، فأدخلنا الأمم الأخرى، في أزمنة التاريخ الممتدة إلى عصرنا الحديث، فإن الأمر يكون أظهر، وفساد المقولة أوضح.

وغني عن الذكر أن البحث هنا إنما هو في الوقوع، لا في الجواز، فإن لتحرير الحكم الشرعي موضعا آخر.

والحمد لله رب العالمين.

 

10 رمضان 1434

(نشر في مجلة حراس الشريعة عدد شوال 1434)

 


 



1-     وهذا كما أن الحجاب المتبرج الفاتن مقبول اليوم في كل منابر الإعلام، بخلاف الحجاب الساتر المانع الفتنة، فما يزال مهمشا عند الكثيرين. ولهذا نظائر كثيرة.

1-     عدد شهر رمضان 1434 من مجلة (حراس الشريعة).

1-     أتعمد استعمال لفظ المشاركة البرلمانية بدلا من المشاركة السياسية، لأن هذه أشمل وأوسع، خلافا لما يظنه المفتونون بالصناديق.

1-     كان عبد الله بن الزبير الخليفة الشرعي بعد تنازل معاوية الثاني عن العرش، نص على ذلك جمع من العلماء. وقد استتب له الحكم في الأمة كلها باستثناء الشام. ثم خرج مروان بن الحكم، وتوطد له حكم الشام. ولا يعده العلماء خليفة. وخلفه ابنه عبد الملك الذي ما صار خليفة إلا بعد مقتل ابن الزبير رضي الله عنهما.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

إلى الأعلى