14 ديسمبر, 2017

خطوات الشيطان

خطوات الشيطان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فإن الله تعالى ما ترك خيرا إلا دلنا في محكم التنزيل على سبيل بلوغه، ولا شرا إلا أرشدنا إلى طريق النجاة منه. وأعظم الشرور ما يزينه الشيطان لبني آدم، ويهيئ لهم أسبابه، وينمقه في أعينهم حتى يروا منه حسنا ما ليس بالحسن!

وإنما يصل منهم إلى حالة القبول والانقياد، بالتدرج من السهل المستساغ، إلى الصعب المستبشع، في خطوات متعاقبة، يجر أولُها إلى آخرها، بما لا فكاك عنه ولا انقطاع فيه، إلا لمن رحم الله، وأراد به الخير، فاستعان به سبحانه، واتبع إرشاده، واهتدى بنور وحيه.

وقد بين الله تعالى خطر هذه الخطوات الشيطانية، فقال – عز من قائل -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

فـ(الخطوات) جمع (خُطوة)، وهي بعد ما بين قدمي الماشي. والمراد بها عند أغلب أهل التفسير أعمال الشيطان وآثاره، وما يزينه للعبد من طاعته مما هو خلاف طاعة الله عز وجل.

والتعبير بالخطوات في هذا السياق يشير إلى معنيين اثنين:

أولهما: أن الشيطان يسير على طريق – إذ لا تعقل الخطوات إلا بذلك – وأن متبعه سالك الطريق نفسه. ومِن لازم ذلك أمران: الأول: أن مراد الشيطان من العبد مرسوم واضح، كما تكون الطرق كلها. والثاني: أن الشيطان يجر العبد نحو غاية محددة، إذ لكل طريق غاية ينتهي عندها!

والمعنى الثاني: أن وساوس الشيطان وما يزينه للعبد مجزّء على مراحل متعاقبة، لا تكون مرحلة منها إلا بعد وجود التي قبلها؛ كما أن السائر على طريق طويل، لا يمكنه ذلك إلا عبر خطوات متتالية، لولا وجود الأولى منها لم يمكن الإتيان باللاتي بعدها.

فتدبر هذين المعنيين، ثم استحضرهما في ما يأتي من النماذج!

 

بعض أنواع التدرج الشيطاني

وللشيطان – أعاذنا الله منه – مداخل عجيبة في تزيين الخطوة الأولى، فإن الانحراف كله مبني عليها!

فعلى صعيد الإيمانيات الفردية، يقف الشيطان للعبد في سبل الازدياد من النوافل والمندوبات، فيسهّل في عينه ترك بعضها: أليست غير واجبة، وتركها لا يستلزم إثما؟ ثم يؤول ترك بعضها إلى التهاون في جميعها، حتى تصبح الفرائض – بعد تطرق النقص إلى النوافل المحيطة بها إحاطة السياج بالحمى – مهددة بالتكاسل في أدائها، أو الإهمال في تحصيل شروطها وأركانها وآدابها، مما يكاد يلتحق بالترك الصريح!

وفي باب المحرمات: يحسّن الشيطان استباحة المحرم المختلف في حرمته بدعوى انتقال الترجيح الفقهي من القول بالتحريم إلى القول بالإباحة – وإنما هو في نفس الأمر انتقالٌ في هوى النفس الطاغية -؛ ثم يمر إلى الذي فيه شيء من الخلاف اليسير الذي لا يعتبر بدعوى وجود الخلاف – وفي الخلاف رحمة كما يقال!-؛ ثم إلى الحرام المجمع على حرمته بدعوى استحالة انعقاد الإجماع – وما يدريك لعل الناس اختلفوا! -؛ ثم تفتح أبواب الإباحة مشرعة، فلا تحريم بعد اليوم أبدا!

وفي باب الأخلاق العامة: أكتفي بمثال يتضح به ما وراءه من النظائر.

كان الحجاب السابغ أصلا أصيلا يميز المرأة المسلمة، لا يخطر ببال أحد في الأمة أن يشك في فرضيته، أو أن يدعو إلى التخلص منه. ثم اصطدمت الأمة بالفكر الوافد مع جحافل المستعمر الأجنبي، فقامت – على استحياء – دعوة إلى ترك النقاب خصوصا)[1](! ثم سار الانحراف حثيثا إلى أن وصلنا اليوم إلى عري فاضح، تستحيي كثير من نساء الغرب من منظره؛ وإلى ”حجاب” متبرج، ليس فيه من الحجاب الشرعي سوى الاسم)[2](!

وفي المجال اللغوي، كانت العربية الفصحى غالبة في الميادين كلها، وكانت العامية لهجة شعبية يتداولها الناس في حياتهم اليومية العامة، لكن ليس لها حظ في أدب ولا كتابة ولا تعليم ولا وعظ ولا ما أشبه ذلك. ثم تطور الأمر بسرعة إلى الحالة التي نراها اليوم)[3](. فتسللت العامية إلى الفنون والآداب أولا، ثم إلى ميادين الإعلام والسياسة، ثم إلى الوعظ والدعوة الإسلامية)[4](، ثم عمت الكتابة في الشبكة العنكبوتية، خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي؛ وصارت العربية عند كثير من الناس نسيا منسيا!

 

وفي الفكر والسياسة أيضا

وفي مجال السياسة – ومكائد الشيطان فيها كثيرة متشعبة خفية المضامين – وضعت الحركات الإسلامية أهدافا مرحلية في طريق الوصول إلى الغاية العظمى: تطبيق شرع الله، وتعبيد الناس لربهم.

ولكن هذه الأهداف تضخمت في نفوس العاملين، حتى قتلت الغاية الاستراتيجية الكبرى. فصار النزاع والنقاش يدور جميعه حول الوقائع اليومية التفصيلية. وأما عن الغاية المنشودة، فقد انتقلنا من المطالبة بتطبيق الشريعة لتكون حاكمة على الأفكار كلها، ومهيمنة على القوانين جميعها؛ إلى المطالبة بتطبيقها من خلال الاختيار الديمقراطي الحر، مع الجزم بأن الناس سيختارونها ولا بد، بحيث لا ينبغي طرح السؤال عن إمكان التعارض بين اختيار الناس وحكم الله. ثم صرنا في المرحلة الثالثة نرى التركيز على المطالبة بالديمقراطية – التي صارت غاية بعد أن كانت وسيلة -، مع الالتزام بقبول نتائجها مطلقا، ولو لم يختر الناس حكم الشريعة! والمرحلة الرابعة التي وصل إليها بعض ”الإسلاميين” ملتحقين في ذلك بدعاة الليبرالية والمنتكسين عموما: المطالبة بـ”روح الشريعة”، وهي كلمة فضفاضة مطاطية يمكن لأي أحد أن يدخل فيها ما يشاء من المبادئ والأفكار، ناسبا ذلك لشريعة المصطفى المختار، عليه الصلاة والسلام.

فما الذي بقي من القضية الكبرى بعد هذه الخطوات الإبليسية، خاصة مع حرب الشبهات والشهوات، وحملات التشويه المنهجي، التي تجعل الجماهير لا تختار حكم الشرع إلا بعد أن تذبح الأحزاب الإسلامية المشارِكة قرابين الولاء المطلق على هيكل الديمقراطية، بشقيها الإجرائي والأيديولوجي)[5](؟!

وكانت الحركات الإسلامية تطالب في بداياتها بالوحدة الإسلامية الشاملة، التي ترجع بالمسلمين إلى الأصل الذي ينبغي أن يكونوا عليه: أمة واحدة، يحكمها شرع واحد، ويرتبط أفرادها بعقد ديني واضح. ثم ارتأى جماعة منهم أن هذه الغاية – لصعوبتها – ينبغي أن تمر أولا عبر العمل المركز في كل قطر على حدة. وهذا في ذاته أمر مقبول، ولكنه تطور إلى تجاهل غاية الوحدة، وعقد الولاء على أساس الوطنية الضيقة، حتى آل الحال إلى تقبل بعض الإسلاميين وجود النزاع العسكري مع قطر إسلامي آخر، لأسباب سياسية خالصة، لا تستحضر بالطبع ضوابط الشريعة!

إن من عدم الإنصاف أن نعلق هذه الأغلاط والانحرافات على تصرفات أشخاص معينين، كأن العيب فيهم على جهة الخصوص، لا على المنهج الفكري ”التنازلي” الذي سلكوه ابتداء، وصفق لهم فيه بعض الناس، أو أقروهم عليه – على الأقل – جاعلين ذلك من باب الاختلاف في الاجتهاد، الذي لا يفسد للود قضية. وأنا أزعم أن العيب ليس في هؤلاء الأشخاص الذي انحدروا إلى هاوية الانحراف هذه، بل المنهج المذكور يجر نحو الباطل جرا لا محيد عنه، والتنازلات الفكرية المتتالية لازمة له لا انفكاك عنها، ورحلة القبول بالباطل تبدأ منذ السكتة الأولى عن نقده أو مدافعته، لأجل مصلحة موهومة.

أو كما يقول جمال سلطان في سياق قريب مما نحن بصدده:

(إنه الطريق ذو الاتجاه الواحد كما قدمنا، إذا بدأت فيه خطوة واحدة، انتهيت لا محالة إلى التبعية الحضارية والشعورية، وأقصى ما تفعله معك بقايا ”الأصالة” هي أن تصيبك بنوع من الفصام النفسي الحضاري، والقلق والتردد بين النظرية والواقع ..))[6](.

 

حلول مقترحة للعلاج

وإذا كان الانحراف راجعا – في معظمه – إلى منهج العمل، وطرائق السير؛ لا إلى أغلاط الأشخاص وسوء تصرفهم، فإن من المتعين تصحيح المنهج المعتمد منذ البدء. وهذه بعض الضوابط التي يجب مراعاتها في هذا المجال:

·                    ينبغي حماية الذاكرة الفردية والجمعية من آفة نسيان الغايات المسطرة، في غمرة الانشغال بالعمل اليومي المتسارع. فإهمال الغاية الكبرى أعظم داع لوقوع الانحراف. ولا سبيل إلى حماية الذاكرة إلا بالتذكير الدوري الذي لا ينقطع.

·                    ينبغي تأخير التنازل الأول ما أمكن، فإن الخرزة الأولى إذا غادرت موضعها، أوشك العقد أن ينفرط كله. والجيش المقاتل في أرض عدوه، يملك من عوامل التدارك والتحيز، ما لا يملكه الذي يقاتل على أرضه هو! وقد أسلفنا أن النوافل للفرائض مثل السياج الحافظ، فلتكن المدافعة على السياج الخارجي، لا داخل الحمى المستباح!

·                    ينبغي التأصيل لقاعدة سد الذرائع، وتحرير ضوابطها، لتكون حاضرة عند الفتوى المرتبطة بالعمل الإسلامي عموما. فما كان ذريعة إلى انحراف – ولو بعد حين – يجب المنع منه ابتداء. ولهذه القاعدة ضوابط تعرف من علم أصول الفقه، ليس هذا محل بسطها.

·                    إن العمل بالفتوى المرخصة ينبغي أن يكون مع الاستحضار التام في جميع مراحل العمل لكل قيودها وشروطها، وضوابط استعمالها. ومن الشائع في مجال الانحراف أن يتحول الجائز في أحوال الضرورة إلى جائز مطلقا ولو في حال السعة، والمباح لأجل درء مفسدة متيقنة إلى مباح لدفع مفسدة موهومة متخيلة، وهلم جرا. وتأمل على سبيل المثال مسألة الغناء والمعازف، وكيف كانت الفتاوى المبيحة – على استحياء – تقيد وتشترط، فما بلغ حكمُ الإباحة مسامعَ عبيد الهوى، حتى أسقطوا القيود وانطلقوا دون رادع، حتى صار القول بالتحريم اليوم غريبا عند كثير من الناس!

·                    لا يضير التنازل إن كان منهج السير سليما؛ ولكن إذا كان المنهج غلطا، والنموذج المقترح للقدوة باطلا، فإن التنازل الأول – مهما صغر – يكون عظيم الضرر. ومن هنا كانت خطورة الذي يجعل القدوة في العمل السياسي: المثال الغربي بحمولته الفكرية (الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها)، أو الذي يجعل الأسوة في تحرير المرأة من أغلال التقاليد: النموذج الغربي في التعامل مع المرأة وقضايا المجتمع. ففي الحالتين معا – وعلى الرغم من تسطير الأصول الشرعية العامة – لا بد من وقوع الانهيار السريع، لأن النموذج الحي الموضوع للاقتداء به يعود على هذه الأصول النظرية بالنقض والإبطال.

 

إن مراعاة هذه الضوابط كفيل بحفظ العمل من الانحراف، دون الوقوع في التشدد بفرض ما ليس فرضا، وتحريم ما قد يكون جائزا لضرورة أو في حالة معينة.

وقد تبين مما سبق عرضه، أن من الواجب على كل مسلم عامل أن يحذر من اتباع خطوات الشيطان، خاصة الخطوة الأولى التي ينمقها بدعاوى المصلحة والنفع، فتكون المبشر بما يأتي بعدها من الخطوات. ومن الواجب أيضا التنبه إلى أنه لا ينفع مع هذه الخطوة صلاح النية، وصحة القصد، فإن الانحراف عن الصراط القويم لازم لها، ما لم تراع مجموعة من الضوابط الحافظة.

والله الموفق.

شعبان 1433

(نشر في مجلة حراس الشريعة)



1-     المقصود بهذا دعوة قاسم أمين في كتابيه (تحرير المرأة) و(المرأة الجديدة).

2-     (.. وهذا ما جعل منحى ”التحرر” لدى المراة المسلمة يأخذ في الانهيار السريع، في أعقاب دعوة قاسم أمين – إلى الحد الذي وصلت فيه المرأة المسلمة إلى التعري الكامل – أحيانا – إلا من خرقة أو خرقتين، في حين أن النزاع الذي بدأه قاسم كان حول الستر الكامل إلا من قطعة النقاب ..). جذور الانحراف في الفكر الإسلامي الحديث – جمال سلطان (ص 62).

3-     راجع مثلا كتاب (تاريخ الدعوة إلى العامية في مصر) للدكتورة فوقية محمود.

4-     ودافع التيسير ومخاطبة الناس بما يعقلون، أفضى إلى نزول عام في مستوى الخطاب الدعوي، وأغلق الباب أمام ارتقاء عوام المسلمين إلى مستويات علمية أعلى.

5-     والتفريق بين الشقين خيال لذيذ، يتلمظ بعض الإسلاميين بحلاوته، إلى أن تفجأهم مرارة الواقع الذي يربط بينهما، ولا يعرف معنى للفصل بينهما.

6-     جذور الانحراف في الفكر الإسلامي الحديث – جمال سلطان ص18. قاله في نقد رفاعة الطهطاوي.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

إلى الأعلى