14 ديسمبر, 2017

ضوابط تحقيق المناط: إعدادا وتطبيقا

ضوابط تحقيق المناط: إعدادا وتطبيقا

(أصل المقال: محاضرة ألقيت خلال الأسبوع الثقافي لمعهد الحاج البشير بتمارة)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.

أما بعد:

فإن الاجتهاد الفقهي في عصرنا من أعظم ما ينبغي الاشتغال بالتأصيل له، ووضع ضوابطه، وتحرير شروطه. ولا شك أن الاجتهاد المتعلق بـ(تحقيق المناط) أولى أنواع الاجتهاد بالعناية والدراسة، لتعلقه بتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع المستجدة.

معنى تحقيق المناط

يقال في لغة العرب: ناطَ الشيءَ يَنُوطُه نَوْطاً: عَلَّقه. ومنه (ذات أنواط) المذكورة في الحديث المشهور. والمراد بالمناط في اصطلاح الأصوليين: ما يعلق عليه الحكم الشرعي، وهو العلة الشرعية، التي هي أحد أركان القياس الأربعة)[1].

والبحث في المناط يكون من أوجه ثلاثة:

  • من جهة تخريجه، بأن ينص الشارع على حكم دون أن تقترن به علة، فيستنبط المجتهد علته بالاجتهاد والنظر.
  • من جهة تنقيحه أي تنقيته من غيره، بأن ينص الشارع على حكم عقيب أوصاف، فيلغي المجتهد غير المؤثر منها، ويعلق الحكم على المؤثر. ويكون تنقيحُ المناط تارة بحذف بعض الأوصاف لعدم تأثيرها، وتارة بزيادة بعض الأوصاف لأنها صالحة للتعليل.
  • من جهة وجوده ويسمى: (تحقيق المناط). ومعناه النظر في تحقق العلة في الفرع أو عدم تحققها. مثال ذلك: أن يعلم الفقيه أن علة تحريم الخمر هي الإسكار. فمتى وجد شرابا يوجد فيه هذا المناط: حكم بالتحريم، تحقيقا للمناط.

فتحقيق المناط إذن هو تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع المستجدة. وهو الذي يسميه بعض المعاصرين)[2](: (فقه التدين). فإذا كان الدين هو مجموع التعاليم الإلهية التي خوطب بها الإنسان على وجه التكليف، فإن التدين هو: الكسب الإنساني في الاستجابة لتلك التعاليم، وتكييف الحياة بحسبها في التصور والسلوك.

وإذا كان فقه الدين صعبا، فإن فقه التدين أصعب، لتعلقه بمجال شديد التغير، عظيم الأثر على حياة الناس الواقعية. ومن هنا وجب الاعتناء به، وحسن إعداد القائمين به.

قال الشاطبي – رحمه الله -: (ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن؛ لأنها مطلقات وعمومات وما يرجع إلى ذلك، منزلات على أفعال مطلقات كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معينة مشخصة؛ فلا يكون الحكم واقعا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام).

في الإعداد:

ما الأشياء التي يجب توفرها في المجتهد المتصدي لاجتهاد تحقيق المناط؟ أو – بعبارة أخرى – كيف يمكن إعداد المجتهدين القائمين بأعباء هذا الاجتهاد؟

لا شك أن المجتهد)[3]( يحتاج – قبل التصدي للحكم على النوازل – إلى علمين:

  • العلم بالواقع.
  • والعلم بالواجب في الواقع، أي التمكن من العلوم الشرعية.

–       العلوم الشرعية:

والعلوم الشرعية كثيرة متنوعة، ولكن أمام المجتهد لا بد من اتباعها:

فأول ما يجب الاعتناء به: التمكن اللغوي. وذلك لأن اللغة العربية هي وعاء نصوص الوحيين، فلا يمكن فهم النصوص – فضلا عن الاستنباط منها – إلا بتمام معرفة العربية.

يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: (.. الشريعة عربية، وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنهما سيان في النمط، ما عدا وجوه الإعجاز. فإذا فرضنا مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة. فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم..).

وقد نجمت بدع كثيرة في الأمة قديما وحديثا بسبب العجمة الحقيقية والتقديرية)[4](.

والمطلوب من المجتهد التبحر التام في العربية – كما سبق ذكره في الكلام المنقول عن الشاطبي رحمه الله -، لا المعرفة السطحية التي تلامس القواعد، ولا تغوص في الحقائق.

ولا يكون هذا التبحر إلا بالتمكن التام من علوم العربية المعروفة، من نحو وصرف وبلاغة وغيرها، مع تكميل ذلك بممارسة الأدب القديم، والاطلاع على كلام الفصحاء المحتج بكلامهم، لتحصيل الذوق اللغوي اللازم للتعامل مع النصوص.

وبعد اللغة، فلا بد للمجتهد من اكتساب المهارة الأصولية، عن طريق التبحر الكامل في علم أصول الفقه، الذي ييسر ضبط آلة الفهم والاستنباط.

وبما أن نصوص الشرع جاءت ببيان الكليات لا الجزئيات)[5](، فإن المجتهد ينبغي أن يحرص على تدبر القواعد الفقهية الكلية، التي تنتظم ما لا يحصى من الفروع الجزئية، وعلى معرفة المقاصد الشرعية التي يراعيها الشرع في أحكامه.

على أن معرفة المقاصد – على الرغم من عظيم أهميتها – ينبغي ألا يُتجاوز بها قدرها، فإن من الخطير على الشرع ما يقع اليوم من السيلان الشديد في باب التحليل المقاصدي قبل التشبع من نصوص الوحي. ولا ريب أن ضيق دائرة النقل يؤدي إلى توسيع دائرة التقعيد. والذي لا نص عنده، فعلى أي شيء يقيس؟ ولذلك فإن المجتهد مطالب بإدمان النظر في النصوص الشرعية، وكثرة المصاحبة لها عند الفتوى والاستنباط. ومعرفة النصوص بحر لا ساحل له!

–       معرفة الواقع

إلى جانب العلوم الشرعية، فلا بد للمجتهد من العلم بالواقع. وليس المقصود بذلك: أن يغوص العالِم في متابعة أحداث السياسة والمجتمع، حتى يحجبه ذلك عن رؤية التحولات الكبرى، والتطورات الإجمالية، وإنما المراد المتابعة الجملية للواقع، وهي التي تؤهله لمعرفة ما يدور حوله، وتيسر عليه تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع، دون أن تستهلك وقته وجهده، فيما لا طائل وراءه)[6](.

ومما يساعد على معرفة الواقع: أن يكون للمجتهد تأصيل أدنى في العلوم الاجتماعية والإنسانية، من التاريخ والاقتصاد وعلم النفس والاجتماع وما أشبهها. وهذا لا يغنيه عن الرجوع إلى الخبراء المتخصصين عند الحاجة، ولكنه يكون رجوع مستضيء لا معتمد اعتمادا كاملا.

ولا بأس بالاطلاع ايضا على المناهج الغربية الحديثة في البحث والتدريس والتعامل مع الجماهير، دون الوقوع في براثن الإعجاب المفضي إلى التقليد الأعمى.

في التطبيق

ويشمل محورُ التطبيق مستويين ينبغي الاعتناء بهما، ويقع فيهما كثير من القصور، مما ينشأ عنه أغلاط في التنزيل ذاته، أو في فهوم المخاطبين.

–       المحور الأول: الصياغة العلمية

ولا بد في صياغة الفتوى أو الحكم الشرعي عموما، من مراعاة ضوابط ثلاثة:

أولها الوضوح: وذلك بتجنب ما كان متداولا في فتاوى المتقدمين من تعقيد الضمائر، وتكلف المحسنات البديعية، والإيجاز المفضي للإلغاز. بل المتعين أن يكون الأسلوب عصريا واضحا، دون وقوع في الإسفاف، أو سقوط في درك الخطاب العامي السوقي، لأن المطلوب رفعُ الناس إلى مستوى علمي معين، لا الهبوط إلى مستويات العامة في التفكير والتعبير.

والثاني الدقة: وذلك باعتماد أسلوب علمي، يتجنب التعميم في مواضع التخصيص، ويتفادى الكلام الموهم المحتمل، الذي قد يفهم منه المخاطب معنى غلطا. ويدخل في باب الدقة: توضيح ما يظن بالمكلف الجهل به، كما يستدل لذلك بحديث (الطهور ماؤه الحل ميتته).

والثالث الموضوعية: أو سمِّها أيضا: الإنصاف أو التجرد. والمراد بذلك عدم اتباع الهوى حال البحث، والرغبة الخالصة في الوصول إلى الحق.

ومما يؤسف حقا: أن أكثر البحوث الجامعية في أقسام الشريعة، تكون نتيجتها معروفة سلفا، مما يدل على أن الباحث يدخل غمارها بفكرة مسبقة ثابتة، ليس مستعدا لتغييرها، بحسب متغيرات البحث العلمي.

والإشكال عند الكثيرين، أنهم ما استبقوا الروح الإيمانية التي كانت عند علمائنا قديما، ولا اكتسبوا الروح العلمية التي استحدثها الغربيون اليوم.

–       المحور الثاني: الخطاب الدعوي

والمراد بالخطاب الدعوي هنا ما كان متعلقا بتنزيل الأحكام الشرعية على جهة الخصوص، لا عموم الدعوة. فلا يدخل في كلامنا: الوعظ مثلا.

وفي هذا المحور لا بد من مراعاة ضوابط ثلاثة أيضا:

أولها الصدق: والمراد به عدم الوقوع في النفاق الفكري، واستباحة التدليس، لتحقيق بعض المصالح الدعوية الموهومة.

إن بعض العلماء يعجزون عن قول الحق المحض، مراعاة للبيئة المعادية، فلا يكتفون بالسكوت عن قول الحق، حتى يضيفوا إليه قول بعض الباطل الصريح.

وشتان بين المقامين!

فإن الذي أباح له السكوت عن قول بعض الحق، لم يبح له التلفظ بالباطل، لغير داعية.

فتدبر هذا المعنى!

والثاني: الواقعية: وذلك بعدم تعليق المخاطب بحالة مثالية يسعى إليها، وقد تكون غير قابلة للتحقيق. إن الإسلام واقعي في تصوراته وتطبيقاته، شديد الموافقة للفطر السليمة.

فالحكمة الدعوية تقتضي ترك خطاب الحنين مطلقا إلى الماضي، والتعامل مع المستجدات بالواقعية اللازمة.

والثالث: مراعاة الأولويات: فليس من الحكمة استفراغ الجهد في مباحث لا ينتفع بها أحد من الناس، ولا ترك مراعاة أحوال المخاطبين عند توجيه الكلام إليهم. وهذا مبحث طويل الذيل جدا، لا يحتمل هذا الموضع بسطه.

والله الموفق.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-   والأركان الثلاثة الأخرى: الأصل والفرع والحكم.

2-   راجع كتاب: في فقه التدين فهما وتنزيلا: عبد المجيد النجار.

3-   المخاطب بهذا الإعداد هو المجتهد، ولكن لا يمنع ذلك أن لعموم المكلفين مساهمة معينة في هذا المجال، وذلك من وجهين: الأول: أن معرفة الشروط التي يجب توفرها في المجتهد، تساعد العامي المستفتي على التمييز بين المجتد الحق وصاحب الدعوى. والثاني: أن للعامي نصيبا من تحقيق المناط، كما في تحديد المشقة والاستطاعة (راجع مقال (استفت قلبك) للشيخ خالد الأزهري ضمن العدد الثالث من مجلة حراس الشريعة).

4-   المراد بالعجمة التقديرية حالة ذوي النسب العربي الصريح الذين لا يعرفون من اللغة سوى نتف لا تسمن ولا تغني من جوع!

5-   وحتى الجزئيات الواردة في النصوص فإنما تراد للمعاني الكلية المستفادة منها.

6-   يراجع مقالي (التفاصيل والجمل)، الذي نشر في العدد الثاني من مجلة حراس الشريعة.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

إلى الأعلى