25 يونيو, 2017

خواطر من الحرمين

خواطر من الحرمين

(1)
لو كانت الألفاظ قادرة على وصف المعاني كلها وصفا دقيقا، كما تتمثل في الأذهان، وكما تلوح في الخواطر، لما كان لأرباب الأدب، وأساطين البلاغة، فضل على غيرهم من عامة الناس. فما تميز هؤلاء، ولا تفردوا، إلا لأن اختيار الألفاظ والتراكيب التي تقرب المعاني المختلجة في الصدور، صنعةٌ تحتاج إلى ذهن شديد الصفاء، وبراعة محكمة، وجهد مكرث. فهي لذلك صنعة لا يتقنها إلا الأفذاذ من الناس.
ثم إن قصارى جهد هؤلاء الأفذاذ أن يقربوا المعنى إلى ذهن القارئ تقريبا. أما أن يأتوا به على وجهه كما تصوره صاحبه، فذلك ما لا سبيل إليه بحال.
وأما من دونهم من الذين يتكلفون الكتابة وليسوا من أهلها، فالأمر أعسر، والخطب أعظم.
وما علمت أن ألفاظي تخذلني في شيء المعاني، كما تخذلني إن أردت التعبير عما يدور بخلدي، وما يعتمل بمهجتي من المشاعر، حين تضمني رحاب الحرمين..
ولقد احتبست ألفاظي بعد مخاض طويل، حين أردت أن أصف شعوري خلال حجتي التي كانت منذ نحو تسع سنوات، فما سطرت سوداء على بيضاء.
وها أنا اليوم، أتجشم مثل الذي تجشمت من قبل .. وأمامي شاشة الحاسوب المضيئة، يغريني فراغها بالكتابة. فما أدري: هل يأتي المخاض بولادة مباركة، أم يتعسر الحال كما تعسر من قبل؟(2)
كانت الساعة تقترب من الثالثة والنصف صباحا، حين انبعثت بنا سيارة الأجرة من مطار المدينة النبوية، تنتهب الأرض انتهابا، لا يحول بينها وبين الانطلاق – في هذا الوقت من السحر – شيء من زحام الطرقات.
وما لبثت أن بلغت إلى مشارف المسجد النبوي .. وإذا بالمصلين يتحركون أرسالا ليجيبوا داعي (حي على الفلاح)، وعلى سمتهم مسحة من الوقار، وفي همساتهم عبق من طهر الإيمان، وخطاهم الحثيثة تنساب نحو المسجد النبوي المتلألئ بأضواء الجمال والجلال، كما تنساب مياه الغدران نحو غاياتها التي كتبت لها.
وتلتفت يمينا وشمالا، فلا ترى إلا مقبلا على خير ..
وتصيخ بأذنيك، فلا تسمع فجورا ولا لغوا ..
وتستنشق الهواء بأقصى ما تحمله رئتاك، كأنك تحمل من هذا الهواء الطاهر، زادا تجلبه معك إذا رجعت إلى بلدك.
وتمشي حيث يمشي الناس .. وأبواب المسجد تفتح ذراعيها، لتحتضنك في عناق دافئ، ينسيك ما سلف من أيام الغفلة .. ولا تملك في هذا الحضن الرفيق، إلا أن تستسلم لنداء القلب المشحون، فترسل العنان لدموع تثج من مكامنها ..

(3)
لأي شيء تنهل دموعك يا صاحبي؟
ألأنك ذكرت ساعات الغفلة، التي أفنيت فيها زهرة شبابك، حتى مضت بك رواحل الأيام، تخب بك في فيفاء الحياة، إلى حيث لا رجوع؟
ألأنك تأملت حالك مع الدنيا المُطغية، فإذا بك تتحسر على ما التهمته من فلذات قلبك، وما سودته من صفحات مهجتك؟
ألأنك ذكرت الذنوب التي تناسلت في أركان بدنك وروحك، كما تتناسل الجراثيم المدمرة، حين يتاح لها شيء من العفن تقتات منه؟
ألأن فؤادك المكلوم ذاق حلاوة الطهر في تلك البقاع المنيفة، وتذكر مرارة الغفلة في الربوع التي تركها وراءه، فكرِه أن يُسْلمه ما يستقبل من أيامه إلى تلك الغفلة الخانقة .. وزاد من ألمه الممض أنه يعلم أن الرجوع حتم عليه، لا سبيل له إلى تنكبه .. فجزع لهذا الخاطر، كما يجزع المحكوم عليه بالقتل صبرا حين يقدم إلى جلاده.. ؟

لم تبكي يا صاحبي؟
ألمنظر هذه الجموع المشتاقة إلى الطاعة، المنتظمة في سلك التقرب إلى الله؟
ألصوت هذا النداء الرباني الذي يرتفع عاليا، يشق أديم السماء، فترتفع معه القلوب، مشتاقة إلى رضوان بارئها، متخلصة من قيود التراب؟
ألذكرى الصالحين الذين مروا من هذا المكان، الذي تطأ أرضه، وتستنشق أريجه؟
يا لها من ذكرى تتقطع من ملامستها نياط القلوب !
من هذا المكان، انبجست ينابيع الإيمان والحكمة، فطمت أرجاء المعمورة ..
في هذا المكان، قامت دولة الإسلام الوليدة، بين خلق من الأعداء يتربصون بها الدوائر، كما يتربص أحفادهم بالمسلمين اليوم .. فما زالت تلك الدولة تنمو على عين ربها، حتى تفيأ الكونُ ظلالها الوارفة ..
في هذا المكان، أنزلت آيات القرآن غضة طرية، ثم طبقت في المجتمع الوليد، على أبهى ما يكون من الصور، وأجمل ما يكون من الأحوال ..
من هذا المكان مر الخلفاء الراشدون، تحيط بهم هالة العدل، وتكتنفهم نسائم التقوى ..
من هنا مر الصحابة الأكرمون، والتابعون المبجلون، والأئمة المجتهدون ..
في هذا المكان كان الذي يتلقى الوحي من السماء .. بأبي هو وأمي .. سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم ..

حق لك يا صاحبي أن تذرف دموعك هنا .. فالمحروم من يبست عيناه في مثل هذا المقام:

حُرِم الذي لم يسكب العبرات = في مسجد المبعوث بالرحماتِ

(4)
وعلى ذكر الحرمان والمحرومين، فقد جرى لي كلام مع بعض أهل البلاد، فعلمت أن منهم من يزور المدينة – على ساكنها أفضل الصلاة والسلام – والمسجدَ النبوي، لأول مرة في حياته ! ثم علمتُ من أناس آخرين – والعهدة عليهم فيما يزعمون – أن هذا ليس نادرا عند أهل بعض المناطق.
سبحان الله !
أليس المسجد النبوي من المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها؟
أليس الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه – غير المسجد الحرام؟
وقد قست هذا إلى حال بعض الناس عندنا، ممن يحنون إلى زيارة الحرمين، فهم يصبحون على شوق، ويمسون على شوق. وتمتد أمامهم جبال من العراقيل، فإذا هم يعالجونها بما يضاهيها من الصبر، فلا يزالون في مغالبة ومدافعة، حتى يمن الله تعالى بالفرج، فلا تسل عن فرحهم يوم ينزلون من الطائرة، وتطأ أقدامهم أرض الجزيرة لأول مرة ..
قست حال هؤلاء إلى حال أولئك، فتعجبت من تباين الأحوال، بين من يُبذل له الشيء المرغوب سهلا ميسرا، فيعرض عنه؛ ومن يسعى إلى ذلك الشيء، ويكد في سعيه، حتى يكاد كيانه ينهد من شدة ما يلقى من الجهد.
ولكن ليس كل الناس يحسن تقدير ما يرفل فيه من النعم. وما ألذ التوفيق إلى شكر النعمة !
والحق أن الحرمان ألوان ..
فمن المحرومين أقوام رأيتهم في المسجد الحرام، في وقت السحر، يخوضون في قيل وقال، وأحاديث الدنيا، وما لا نفع يرجى منه غير تزجية الأوقات، حتى رأيت بعض من بجانبهم، يهجر جوارهم متأففا !
ومنهم نساء وفتيات في المسجد الحرام، يلبسن من الأثواب ما لا يشك أنه من الزينة المتعين سترها، وإن كانت تظنه حجابا أو كالحجاب. وما فائدة الحجاب إن كان فتنة؟ ثم لا تسلْ عن التغنج في الكلام، والتصنع في الحركات ! ولعل جلوس أمثالهن في بيوتهن أن يكون أولى بهن، وأسلم لهن في دينهن، من السعي إلى تلك البقعة الطاهرة على هذه الحال.
ومنهم رجل رأيته، فأنكرت منظره، وطال تعجبي من حاله: على بدنه إزار الإحرام ورداؤه، وفي كفه سيجارة ينفث من دخانها، بين خطوة وأخرى، وهو في طريقه إلى المسجد الحرام !
ومنهم أقوام من الموسرين عندنا، فتح الله لهم أبواب الرزق، وألبسهم من سرابيل العافية، ثم لا تجد الواحد منهم يخطر بباله حج ولا عمرة ! وقد يتعلل بكثرة الأشغال، لكنه إذا جاء موسم العطلة الصيفية، حزم أمتعته، واصطحب عياله، في رحلة إلى إسبانيا أو فرنسا أو غيرها من بلاد الغرب !
ومنهم أناس تتيسر لهم أبواب الحج والعمرة، في أموالهم وأبدانهم، فيسوفون لغير مسوغ، ويتأخرون لغير مبرر، حتى يأتيهم من العوائق ما يجعلهم يندمون على ما فرطوا، ولات حين مندم ! ولقد كنت أنصح بعضهم منذ سنوات بالمبادرة إلى هذا الخير، فيزورّ ويتأخر، حتى جاءنا نظام القرعة في الحج، فلقد رأيته بعدُ متحسرا محزونا.
ومنهم رجل من أهل العلم عندنا – لكنه على بدعة في العقيدة خطيرة – ذُكر لي عنه أنه حكى لبعض تلامذته عن بعض الصعاب التي لاقاها في حجه، ثم ختم حديثه بأن قال: (فلما رجعت إلى بلدي، ودخلت بيتي فرحا مسرورا، شرعتُ أقبّل جدرانه واحدا واحدا ..). فهل رأيت أعجب من هذا الحرمان؟

(5)
ما الذي يجعل للمسجد الحرام هذه الهيبة في صدور قاصديه؟ وما الذي يجعل للكعبة الشريفة هذا الجلال الذي يسحر ألباب الناظرين إليها، ويأخذ بمجامع قلوبهم؟
أتذكر يا صاحبي حين دلفت إلى داخل المسجد الحرام، تحثّ خطاك لتصل إلى مكان الطواف، والسواري أمامك تحجب عنك منظر الكعبة المنيفة، لكنها تتكشف مع كل خطوة تخطوها عن جزء يسير منها، فكأنها تشفق على قلبك الضعيف أن يفجأه ذلك المنظر المهيب، دون أن يسبق ذلك شيء من التدرج والاستعداد؟ حتى إذا انتهيت إلى محاذاة آخر سارية، وقفت تُفتّح عينيك إلى أقصى ما يطيقه جفناك، وتتأمل أفواج الطائفين حول الكعبة، منيبين مبتهلين، وضجيج أدعيتهم يملأ الأسماع.
ما أجمد العين التي لا تهمي عبراتها في ذلك الموقف ! بل ما أقسى القلب الذي لا يتفطر أمام هذا المنظر المتجذر في السمو؟
أتذكر يا صاحبي حين اندفعت إلى الحجر الأسود تشير إليه، وتبدأ طوافك حول الكعبة؟ ألم يخطر ببالك حينئذ عظيم نعمة الله عليك، إذ فتح لك أبواب التقرب إليه، ويسر لك أسباب الرحيل إلى بيته المحرم؟
كم كانت جمةً – يا صاحبي – تلك العراقيل التي انتصبت أمامك لسنوات طوال، فصرفتك عن هذا الخير العميم. فلما صدقت اللجأ إلى مولاك الكريم، انزاحت عنك كلها في طرفة عين كما تنجاب الغيمة، إذا خرقتها أشعة الجوناء.
أتذكر يا صاحبي حين وقفت على الصفا تلهج بالأدعية المأثورة وسط جموع الداعين، وفي ذهنك سؤال يلح عليك، حتى يكاد يصرفك عن كثير من الخشوع: قد خلفت وراءك أقواما لست بأحرص منهم على بلوغ هذا المقام، ولا هم بأقل شوقا منك إلى نيل هذا الفضل الجسيم. فكيف اختارك الكريمُ دونهم، وأسبغ عليك هذه النعمة وأخرهم عنها – ولو إلى حين؟
أما تخشى أن يكون هذا امتحانا، يرى فيه كيف تصنع؛ فتنجح فيه إن أحسنت شكر هذه النعمة، وترسب – والعياذ بالله – إن رجعت إلى بلدك، وليس عليك شيء من آثار الشكر؟
وتنطلق يا صاحبي نحو المروة تسعى، وفي قلبك عزيمة على خوض الامتحان – يسر الله أسباب النجاح ..

(6)
ما أصدق من قال: (رب أخ لك لم تلده أمك).
ذكرت هذا حين التقيت قرب المسجد الحرام الشيخ الكريم عبد الرحمن بن عمر الفقيه الغامدي الأزدي، كان الله له بإحسانه.
وقد كان الشيخ الفقيه في ذهني، لما يقرب من العقد من الزمان، اسما على صفحات ملتقى أهل الحديث، لا صورة ترافقه. لكنني أحببت هذا الاسم، وتعلق قلبي به، كما لو كان الرجل من الخلان الذين أجالسهم كل صباح، وكل مساء.
ولا غرو، فقد عشت مع كلمات الشيخ، وموضوعاته، وردوده، ورسائله. وعايشت مشروعه الجليل: (ملتقى أهل الحديث) منذ أن ولد، إلى أن نما واستوى على سوقه، يعجب طلبة العلم وأهل السنة والجماعة، ويغيظ المبتدعة الأصاغر.
وقد بلغ من تعلقي بالشيخ خلال السنوات الأخيرة أنني كنت في كثير من الأحيان، أضع رأسي في الليل على الوسادة، وأتخيل أنني في مكة، أجالس الشيخ الفقيه، وأجاذبه أطراف الأحاديث.
فلا والله ما كان شخص الرجل بعد اللقاء إلا أعظم وأجل وأكرم، من كل ما كنت أتخيله – وإن كان هو في خيالي من قبل عظيما جليلا كريما.
ثم التقيت بعد الشيخ عبد الرحمن بأخيه الشيخ خالد، فوجدت منه ما وجدت من أخيه: علم وحلم وحكمة وأناة وكرم، وأخلاق هي أخلاق أهل الحديث حقا.
ولقد ذاكرت أحد أحبتي بعد رجوعي إلى المغرب، وكان قد سبقني إلى لقاء الشيخين. فلما أخبرته بما رأيت منهما، قال لي:
-”وهل رأيت أباهما؟”
فقلت:
-”لا، ما قدر لي أن أراه”.
فقال:
-”لو رأيته، لعلمت من أين جاءهما ما أعجبك”.

قد كنت أسمع عن جود الرجال فما = أظنه غير أخبار من الكذبِ
حتى رأيت الفتى الأزديَّ يكرمني = فشمت من جوده ضربا من العجب
ويقتفيه أخوه اللوذعيُّ فما = زال الندى من فعال القوم في تعب

(7)
التقيت في المسجد الحرام بين صلاتي المغرب والعشاء ذات يوم، الأخ الكريم عبد الرحمن الجار الله، فكانت جلسة طيبة، تذاكرنا فيها شيئا من الفقه والأصول. ورأيت من أريحية الرجل ما يسُر.
وقد كان من أفضل ما استفدته منه خلال هذا اللقاء: سلام عطر من الأخ الكريم الشيخ عبد الله العتيق، وأخبار طيبة عن الأخ الكريم الشيخ زياد المطيري.
ولقد وددت – والله – لو كانت لي أجنحة توصلني إلى بلاد نجد، بلا تأشيرة ولا جواز، فألتقي بالرجلين الفاضلين، وبغيرهما من أهل الخير في تلك الأصقاع.

(8)
زرت خلال مقامي بمكة – بمبادرة كريمة من الشيخ عبد الرحمن الفقيه – الشيخَ المحدث عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي. وكانت جلسة طيبة مفيدة، تخللتها بعض الأخبار عن مجالس السماع، ما عقد منها وما هو في طور الإعداد.
وقد تفضل الشيخ الفقيه فاستجاز لي من الشيخ الهاشمي، فأجاب الطلب، وأجازني إجازة عامة بجميع ما يسوغ له التحديث به وروايته، وسلمني الإجازة المكتوبة، وفقه الله تعالى لمرضاته.
ثم وفقني الله تعالى في يوم آخر إلى زيارة الشيخ الفاضل المحقق محمد عزير شمس – حفظه الله تعالى – في رفقة الشيخ عبد الرحمن الفقيه.
والشيخ محمد رجل محبب بشوش، يدخل قلب محاوره بغير استئذان. وقد كانت الجلسة في موضوعات شتى، منها: وصف الشيخ لزيارته الأخيرة لبلاد المغرب، وشيء من الكلام على كتب ابن تيمية وابن القيم – والشيخُ بها خبير -، وتحقيقات الشيخ التي تصدر عن دار عالم الفوائد، ونحو ذلك. وقد اشتكيتُ إلى الشيخ من عدم وصول هذه التحقيقات إلى المغرب، ولكن يبدو أن المشكل ليس له حل في الوقت الراهن.
وقد حضر الجلسة أحد الدعاة السلفيين، اسمه عبد الغفار، وأصله من بلاد الهند. وقد حدثنا عن شيء من أحوال أهل السنة في تلك البلاد مع البريلوية المبتدعة، وتعصب القوم هناك على السلفية وأهلها.
ثم وفقني الله أيضا، فحضرت مجلسا طيبا بدار آل الموجان العامرة. وكان لي مذاكرة طيبة مع الشيخ عبد الرحمن بن حسين الموجان، عن موضوع رسالتي للدكتوراه، وعن بعض كتب المالكية التي تحقق في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، وهموم نشر الكتب التي تحقق في الجامعة، ونحو ذلك.
ثم ذاكرت الشيخ الدكتور عبد الله بن حسين الموجان – حفظه الله تعالى – واستفدت من علمه الجم، وأخلاقه الرفيعة، وفكره المعتدل. واكتشفت أن له زيارات كثيرة إلى المغرب، وأن له به وبأهله معرفة بالغة.
وقد تفضل بإهدائي بعض مؤلفاته وتحقيقاته النفيسة، جزاه الله أفضل الجزاء.
وعلى العموم، فقد عرفت من آل الموجان في تلك الجلسة، علما، وكرما، وفضلا؛ زادهم الله من توفيقه.
وكانت هنالك لقاءات أخرى مفيدة نافعة، لا أنشط لوصفها جميعها.

(9)
وقد خبرت خلال زيارتي هذه لبلاد الحرمين، ما للإلف والعادة من ثقل في النفوس.
فمن ذلك أنني جربت أن ألبس (الغترة) لأكون موافقا للباس أهل البلد، ولا أتميز بلباسي المغربي عنهم.
ولكن رأسي ما قبل ذلك، ولا استمسكت (الغترة) فوقه !
فإذا سجدت سابقَتني إلى موضع سجودي فأنشغل بإماطتها، وإذا ركعت كان مبلغ همي أن أنشغل بإصلاحها لكي لا تفر من فوق رأسي، وإذا هب نسيم ألوت هاربة فتتبعتها كفي، لكي لا تطير فينكشف ما تحتها – والعهد بحلق العمرة قريب – !
ولقد أطلت التعجب من القوم، كيف يفعلون مع هذا الثوب العجيب؟ !
ولكن صدق من قال: (لكل امرئ من دهره ما تعودا) !
وإذا كان رأسي لم يقبل (الغترة)، فإن لساني ما استساغ (القهوة العربية)، بل ما أطقت رائحتها، ولا وجدت لها في فمي مسلكا.
وقد اتهمت نفسي، لما رأيت القوم يحبونها، ويستزيدون منها، فسألت بعض من لقيت من أهل المغرب، فثبتوني على رأيي، وآنسوني في ذوقي. و(للناس فيما يعشقون مذاهب).

(10)
آه ما ألذ تلك اللحظات .. وما أطيب تلك السويعات ..
ولولا أمل الرجوع، لكانت أوجاع الموت أيسر من آلام الوداع ..
فاللهم لا تحرمنا من أوبة تقضى بها الحوبة، ومن رجوع إلى ذلك المقام يعجل بمحو الذنوب والآثام.
والحمد لله، وصلى الله على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

(27 شعبان 1431)

spielautomaten online

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

إلى الأعلى