26 يونيو, 2017

مناقشة الدكتور البشير عصام المراكشي للدكتور أحمد الريسوني في مسألة تجريم الإفطار العلني في رمضان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.

نقلت بعض وسائل الإعلام عن الدكتور أحمد الريسوني -وفقه الله- أنه صرّح بالدفاع عن إلغاء تجريم الإفطار العلني في رمضان.

وللدكتور الريسوني -أحسن الله إليه- مكانة خاصة عندي، وإن كنت قد خالفته قديما ولا أزال أخالفه في قضايا معدودة. وسبب هذه المكانة ثلاثة أمور، اثنان منها عامان، والثالث خاص:

فأما العامان: فأولهما علمه وفقهه وتخصصه الأصولي، وثانيهما نصرته لقضايا الأمة واصطفافه الحسن في مواجهة النابتة العلمانية داخل المغرب وخارجه.

وأما الخاص: فكونه أستاذي الذي درست عليه علم أصول الفقه في الجامعة في فصلين دراسيين، حفظت منهما توقدَ ذهنه وحصافة رأيه.

وللدكتور الريسوني مواقف حسنة، أطمعَنا تلاحقُها ووفرتها وجرأتها في أن يكون له موقف طيب في هذه القضية الخرقاء التي تثار كل سنة في المغرب، عن الإفطار العلني في رمضان وعلاقة ذلك بالحريات الفردية.

لكننا فوجئنا بموقف نقلته وسائل الإعلام، وطبّل له بعض المفتونين، أعلن فيه -فيما نُقل إلينا- اصطفافه (وهذا لفظه الصريح وليس حكمَ قيمة من كيسي!)، مع المدافعين عن إلغاء تجريم الإفطار العلني في رمضان؛ وإن قال -تخفيفا للصدمة- “إن نيته غير نيتهم وقصده غير قصدهم”.

هو اصطفاف إذن عند تطاير غبار معركة فكرية وسياسية وحقوقية ودينية، اصطف فيها الغيورون كلهم -ولا أقول: الإسلاميون- في غير الصف الذي اختاره الدكتور -وفقه الله-!

وهذا شيء يدعو إلى التأمل، ويقتضي منا بعد التأمل بذل النصح، وبيان ما التبس من الحق.

وهل أحتاج إلى التذكير بأن الحق أحب إلينا من الدكتور؟ أو تراني أحتاج إلى التنبيه على أن بيان الأخطاء لا يستلزم إسقاط من وقعت منه ولا إهدار جهوده وحسناته؟

أصحاب الأعذار:

دعا الدكتور الريسوني -وفقه الله- إلى “افتراض المرض أو السفر أو مبيحات الإفطار الأخرى في الشخص المفطر في رمضان”.

والحق أنني شعرت حين قرأت هذا الكلام، بأنه واقع على غير محله، وأن مُدية الجزار تركت المفصل، وذهبت تعالج العظم السليم، تكسّره وتفتته!

ثم خطر ببالي أن هذا التأصيل يشبه قول القائل: إذا ذهبت إلى جماعة من السكارى قد اجتمعوا في حانة على معاقرة المُدام، فافترض -بدلا من الإنكار عليهم- أنهم إنما يدفعون بها غصصا بحلوقهم!

أتراني مبالغا في هذا التشبيه؟

لا أظن!

فالنقاش حول قضية الإفطار العلني بالمغرب لم يبدأ من أهل الأعذار..

وأهل الأعذار لم يشتكوا حيفا أو ظلما يقع عليهم..

وأهل الأعذار -كما خبرنا ذلك في بلدنا وغيره من البلدان- يستترون بالأكل والشرب حفاظا على هيبة الشهر..

ولا ضرورة تلجئ صاحب العذر إلى الإفطار العلني إلا في حالات خاصة، كأن يكون المصاب بالسكري -نسأل الله الشفاء والعافية لمرضى المسلمين- مسافرا سفرا طويلا، يحتاج معه إلى الأكل أمام الناس.

أتراه يفعل كما يفعل هؤلاء الرعاع البهيميون المجاهرون بالمعصية؟

كلا، بل هو يظهر عذره لمن حوله، وتكاد ترى في عينه دمعة مترقرقة، لحرصه على الصيام وعجزه عنه!

أترى من يراه من الناس ينكرون عليه إفطاره ويستدعون الشرطة لاعتقاله؟

كلا، بل يدعون له بالشفاء، ويواسونه بصادق العبارات، ويسألون الله في نفوسهم العافية!

فعن أي شيء نتحدث؟!

وكيف يراد لنا أن ننتقل من حال العذر والضرورة إلى حال الاختيار والسعة، بل إلى حال التحدي والمنابذة وإعلان الفجور والمفاخرة به؟

ثم إن سؤال الدكتور الريسوني عن “العناء غير المجدي” الذي يحصل بسبب “اعتقاله والتحقيق معه وإحالته على النيابة العامة” يدعو إلى التأمل أيضا!

فهل اشتكت الشرطة والقضاء من هذا العناء؟

وهل هذا العناء أكبر من عناء الشرطة مع من يركنون سياراتهم في غير الموضع المسموح به، أو الذين يبنون غرفة داخل منازلهم دون تصريح، أو الذين يصدرون شيكا وهم غافلون عن انعدام رصيده؟ (1).

على أن صاحب العذر لا يضع نفسه في هذا الموقف -كما سبق بيانه-، ولو حصل له اضطرارا لم يعسر عليه أن يظهر عذره، وينتهي الإشكال.

لكن العناء حقا مع المجاهر “المناضل” الذي يفطر عمدا دون عذر، ويخوض معركة من ضمن حرب شاملة على الشريعة!

حكم الحاكم لا يدخل في العبادات:

استدل الدكتور الريسوني -وفقه الله- ضمن كلامه بقاعدة للمالكية، وهي أن “الحاكم لا دخل له في العبادات”.

وجوابي من أوجه:

الأول: أكره للعالم الفقيه أن يكون مطية لأعداء الدين، ولذلك أكره أن يستدل لأقوالهم وأعمالهم واختياراتهم الفكرية بما لم يخطر على بالهم من الأدلة التراثية التي لم يسمعوا بها من قبل! وقد ندمنا وندم غيرنا -مثلا- على كثرة كلام فقهاء العصر في المقاصد، حتى تلقفها الحداثيون التغريبيون، وصاروا يحتجون بها في نقض عرى الدين، وينسبون للشاطبي القطيعة “الابستمولوجية” عن أصول الفقه التراثية “المطّلبية”!

والجنون فنون!

الثاني: أكره استدعاء التراث الفقهي للمالكية أو غيرهم، عند إرادة التسهيل بما يوافق ثقافة العصر المهيمنة؛ وستره -كما تستر السوءة التي يُستحيى منها- عندما يخالف هذه الثقافة ويناقض مناهجها! ومن المستور مثلا: حكم المالكية -وغيرهم- في من ينكر وجوب الصيام ويستحل إفطاره عمدا دون عذر!

الثالث: هذه القاعدة بهذا اللفظ شهّرها القرافي وغيره، ولكنها بالمعنى الذي سنذكره ليست خاصة بالمالكية، بل وجدت في كلام غيرهم، يحضرني منهم شيخ الإسلام ابن تيمية.

الرابع: فهم القاعدة يرجع فيه إلى مؤصّليه من أئمة المالكية. ويتبين من الرجوع إليهم أمور:

1- ليست القاعدة متفقا عليها بينهم، بل هي موضع خلاف اختصره الدسوقي في حاشيته بقوله: (لأن الحكم الحاكم لا يدخل العبادات استقلالا، بل تبعاً كما للقرافي وهو المعتمد، خلافاً لابن رشد حيث قال: حكم الحاكم يدخلها استقلالا كالمعاملات).

2- محل القاعدة مسائل الخلاف الفقهي، هل يرفعه حكم الحاكم؟ ومن أمثلته المشهورة عندهم: حكم الجمعة في غير المسجد العتيق، وما ينبني على ذلك لو قال السيد لرقيقه: إن صحت الجمعة في هذا المسجد فأنت حر، وذهب العبد للحاكم الحنفي إلخ. ومنها: حكم وجوب صوم المالكي بحكم الحاكم غير المالكي بشاهد واحد.

وتأمل كلام القرافي فإنه عمدة من قال بالقاعدة من بعده:

“اعلم أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم ألبتة بل الفتيا فقط، فكل ما وجد فيها من الإخبارات فهي فتيا فقط فليس لحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة، ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون نجسا فيحرم على المالكي بعد ذلك استعماله، بل ما يقال في ذلك إنما هو فتيا إن كانت مذهب السامع عمل بها، وإلا فله تركها..”.

ثم قال رحمه الله:

“حكم الحاكم إنما يؤثر إذا أنشأه في مسألة اجتهادية تتقارب فيها المدارك لأجل مصلحة دنيوية، فاشتراطي قيد الإنشاء احتراز من حكمه في مواقع الإجماع فإن ذلك إخبار، وتنفيذ محض. وفي مواقع الخلاف ينشئ حكما، وهو إلزام أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة”.

وهذا كلام واضح مليح.

فهل إلزام الناس بعدم الإفطار في رمضان من مسائل الخلاف والاجتهاد، أم من أمور الوفاق والإجماع؟

يتبين هذا بالذي بعده، وهو:

3- قد اتفق العلماء على أن الواجب على الحاكم أن يعاقب تارك الصلاة، وهي من العبادات إجماعا. واتفقوا على أن الحاكم عليه أن يعزر من يتعمد الصلاة بغير وضوء مثلا، والوضوء من العبادات. واتفقوا كذلك على عقوبة تارك الزكاة -ووجه التعبد في الزكاة ظاهر-.

فليت شعري، لِم لَمْ يقل أحد بتطبيق القاعدة المزبورة في هذه المسائل؟ وأي فرق بينها وبين الصيام؟

يتأكد هذا المعنى العام بكونهم نصوا عليه في خصوص الصيام، وهو:

4- قال خليل في مختصره الذي هو عمدة المالكية في الفتوى والقضاء: (وأدب المفطر عمدا إلا أن يأتي تائبا). قال في التاج والإكليل: (اللخمي: من ظهر عليه أنه يأكل ويشرب في رمضان عوقب على قدر ما يرى أن فيه ردعا له ولغيره من الضرب أو السجن أو يجمع عليه الوجهان جميعا الضرب والسجن؛ والكفارة ثابتة بعد ذلك، ويختلف فيمن أتى مستفتيا ولم يظهر عليه فقال مالك في المبسوط: لا عقوبة عليه ولو عوقب خشيت أن لا يأتي أحد يستفتي في مثل ذلك وذكر الحديث، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقب السائل).

قلت: مفهوم كلام الإمام مالك، أن غير المستفتي يعاقب!

فما لنا لا نشهر في الناس أقوال المالكية في الموضوع، بدلا من التعلق بقاعدة، سبق بيان ما فيها؟

سد الذرائع:

وهذا أصل ثابت من أصول المالكية خصوصا، والاستدلال به أولى من التعلق بتلك القاعدة المذكورة آنفا.

والاستدلال بسد الذرائع في مستويين:

المستوى الأفقي: والمراد به ما لا يخرج عن فرع الصيام.

وذلك أن عدم التجريم والعقاب على الإفطار العلني، بافتراض العذر، سيفتح الباب لغير أهل الأعذار أن يفطروا علنا دون رقيب. وسيؤول الأمر إلى ما نراه في بعض البلاد المنسوبة للإسلام -كما رأيته في بعض البرامج الوثائقية- من مجاهرة الناس بوضع سفرة الغداء على الشاطئ في نهار رمضان!

وإذا علم أن صيام رمضان هو آخر ثغر من ثغور التعبد في نفوس الناس ببلادنا، بعد انفراط عقد الصلاة والزكاة والحج -إلا من قلة قليلة- فإن الفقه الصحيح يقتضي المرابطة على هذا الثغر، والمنافحة عنه، ولو بالتشديد في المباح مخافة التطرق منه إلى الحرام.

أما التهوين بعدم التجريم، فليس من الفقه السليم.

المستوى العمودي: ومقصودي به عموم الشرائع.

وذلك أن قضية الإفطار العلني في رمضان إنما هي معركة من حرب قائمة بين أهل الحق ودعاة الباطل. فإذا انتهت هذه المعركة بفوز هؤلاء المنتكسين -لا قدر الله- أوشكوا بعدها أن يتحركوا لمعركة أخرى، قد تكون: إباحة الخمر أو الزنا أو غير ذلك.

ومن نُذر السوء في هذا الباب أنهم حاولوا تنظيم مجاهرة علنية بمقدمات الزنا عن طريق ما سموه “قبلة جماعية”، لكنهم فشلوا لتدخل بعض الغيورين من غير المحسوبين على الحركات الإسلامية أصلا!

المصالح والمفاسد:

وهذا أيضا أصل أصيل عند المالكية، بل عند الفقهاء جميعهم كما قرره القرافي رحمه الله.

وتطبيقه في مسألتنا أن يقال:

من المعلوم أن المغاربة يحترمون الصيام في شهر رمضان، ويرفعونه فوق غيره من العبادات، حتى إن الواحد منهم يترك الصلاة المكتوبة رأسا، وهو يسأل عن العطر في الثياب هل يفطر الصائم؟!

إذا علم هذا، فإن العامة من المغاربة إذا رأوا المجاهر بالفطر في نهار رمضان دون عذر، بادروه بالإنكار، بل قد يتطور الإنكار إلى تعنيف جسدي، كما دلت عليه حوادث كثيرة في مسألتنا وفي مسائل أخرى مشابهة.

فأيهما أقرب للمصلحة وأبعد عن المفسدة: أن تتدخل قوة الأمن لتطبيق العقوبة على هذا المخالف للدين والقانون، أم ترك مسؤولية التدخل للعامة مع ما يصحب ذلك من التجاوز، وأخذ البريء بذنب المسيء؟

وقد طال عجبي من المنقول عن الدكتور الريسوني -أكرمه الله-: (إن المجتمع هو الذي يمنع الناس من الإفطار العلني).

ولست أشك أنه لا يقصد المنع بالعنف، وإنما بقوة العادة والعرف!

ولكن إنما كان هذا في الذي مضى، حين كان عند الناس صبابة حياء، وبقية هيبة من وازع الشرع. أما اليوم، فقد برز للمضمار كل فاقد للحياء والنقاء، وجاهرَ بردته(2) -فضلا عن فطره- كلُّ مخبول جهول، وقالوا: (سنفطر في نهار رمضان، وسنجتمع لذلك أمام أعين الناس، فما أنتم فاعلون؟!).

فحينئذ: كيف سيتصرف المجتمع؟ أتراه يتدخل بالتعنيف أم سيسكت إلى أن تصير المجاهرة بالفعل القبيح مسلكا لاحبا؟

فقه الواقع:

وهذا أصل من أصول الحركات الإسلامية تكثر الدندنة حوله، وهو فوق ذلك مستند إلى أصول شرعية معتبرة.

والكلام في علاقة هذا النوع من الفقه بمسألتنا من وجوه كثيرة، سأستغني بذكر بعضها عن بيان جميعها. ولن يخفى على القارئ الحصيف ما سوى المذكور منها:

الوجه الأول:

يؤثر عن ابن باديس رحمه الله قوله: “لو قالت لي فرنسا قل لا إله إلا الله، لما قلتها!”.

ووراء ما في هذه العبارة من شدة تستدعي التأويل، ومن احتمال يحتاج إلى التبيين، يشرق معنى راق ما أكثر من يَعمى عن رؤيته!

من الصحيح أنه لا يخلو صاحب الباطل من قول بعض الحق..

ومن الصحيح أيضا أن صاحب الحق يتبع الحق من حيث هو بقطع النظر عن قائله، وأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها..

ولكن..

تكثير سواد أهل الباطل مذموم..

وكلمة الحق إن أريد بها باطل فلتقيد أو لتطرح إلى أجل معلوم..

وتحديث الناس بما لا يكون فتنة على بعضهم مقصد لأهل الخير مأموم..

والتدثر بالرمادي عند تميز الأبيض عن الأسود مسلكٌ ملغوم..

والدعوات الناجحة هي التي تميز صفوفها عن صفوف أعدائها، وتوضح غايتها وأهدافها ووسائلها، وتتحرز في اصطلاحاتها كي لا توافق اصطلاحات أعدائها، وتضع القيود -تتلوها القيود- في خطابها الدعوي كي لا يُفهم من دعوتها ما يُلحقها بدعوة شانئيها..

وإلا فهي دعوة محكوم عليها بالذوبان والفناء!

الوجه الثاني:

عامة المغاربة يوافقون على تجريم الإفطار العلني في رمضان.

يعلم ذلك كل من يفقه واقع المغرب، وحال أهله.

فمقتضى “فقه الواقع” و”الالتزام بخيار الأغلبية” و”تطبيق أصول الديمقراطية”، أن يبقى قانون التجريم على حاله (أو أن يشدد فيه لظهور هذه الدعوات الناشزة، كما يشدد في غرامات مخالفات السير عند تسارع الناس فيها!)، وأن يدعى إلى تطبيقه لا إلى إلغائه.

الوجه الثالث:

يراد لنا أن نطبق مبادئ الحرية وحقوق الإنسان كما قررتها العلمانية الغربية. ومعركةُ الإفطار العلني داخلة في هذا الإطار العام، مستندة إلى هذا الشعار البراق.

لكننا تأملنا علمانيتهم، فوجدناها عند التطبيق لا تفتح الباب أمام الحرية الفردية على مصراعيه، بل تضع القوانين التي تحد من هذه الحرية، رضوخا لرغبة المجتمع، أو التزاما بمرجعية عليا تؤطر الدولة.

وهكذا وجدناهم يمنعون في شوارعهم بقوة القانون العريَ الكامل أو الممارسات الجنسية (Délit d’exhibition sexuelle)، ويعدونه مخالفة للحياء العام (Pudeur).

ووجدنا بعض دولهم تمنع الحجاب في الفضاء العام -مع أنه حرية فردية مكفولة في الأصل- لأن ذلك يخالف مرجعيتهم الحضارية.

ووجدنا بعضها تمنع الصوامع الظاهرة -مع أنها من حرية المعتقد المكفولة أيضا- لأن ذلك يخالف الهوية الثقافية، التي تقبل الكنيسة ونواقيسها وصلبانها وترفض المسجد بصومعته البارزة للعيان!

لذلك فإنني أشعر بالغثيان حين يقال لي: علينا أن نكفل الحرية الشخصية للمفطرين في رمضان، تماشيا مع مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان!

وأجيب من يخاطبني بذلك: عليك ليل طويل فارقد!

الوجه الرابع:

في شرع الله، وفي جميع شرائع الخلق: لا يمكن أن يحال الناس على ضمائرهم في كل شيء، بل هنالك مساحة كبيرة للإلزام والعقوبة، تمارسها الدولة المفوَّضة من المجتمع.

ولذلك فقول الدكتور الريسوني -وفقه الله-: (الناس يحالون إلى بواطنهم الداخلية وقناعاتهم)، محل نظر!

فإنهم لا يحالون إلى قناعاتهم وضمائرهم لاحترام قانون السير مثلا، بل يحاسبون في ذلك على النقير والقطمير!

أيكون القانون الوضعي أعظم وأكرم من الشرع الإلهي، بحيث يحرص على تطبيق الأول بحذافيره، ويوكل تطبيق الثاني إلى أهواء النفوس المتقلبة المتعرضة لألوان من القصف والتسميم؟

وأخيرا..

لست أحتاج إلى التذكير بما سطرته في بدء هذا المقال.

وظني بالدكتور الريسوني أنه سيشفي العليل، ويروي الغليل، بالرد على هؤلاء المتعلقين بكلامه للتطاول على شعائر الدين، وأنه سيسارع إلى الالتحاق بالصف الصحيح الذي لا بديل له عنه، ما دام الاصطفاف ضرورة يفرضها الواقع، وتقتضيها طبائع البشر.

والله الموفق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): ليس المقصود بهذه الأمثلة التهوين من أمر هذه المخالفات القانونية، وإنما هي مقارنة بين مرتبتها، ومرتبة صيام رمضان الذي هو أحد مباني الإسلام، وحفظه على الأمة مقصد شرعي معتبر.

(2): كثير منهم يصرّحون بلسان المقال بأنهم ليسوا مسلمين. فلا يتصيَّدنَّ مِن كلامي مُترصِّد ما يزعم به أنني أُكفرهم بمحض الفطر في رمضان!

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

إلى الأعلى