14 ديسمبر, 2017

مهمة الفقيه حتى لا يقع انفصام بين العامة وقيادتهم الشرعية

منذ أن وقع الانفصام بين الشرائع الإلهية والقوانين الوضعية، فحُصرت الأولى في التراث المكتوب المقدس، وعهد إلى الثانية بتنظيم حياة الناس؛

لم يعد من مهمة الفقيه أن يفتي فقط بما يجب أن يكون عليه الواقع، وإنما صار من أعظم مسؤولياته أن يفتي الناس بكيفية التعامل مع الواقع غير الشرعي الذي يعيشون فيه، عن طريق الموازنة الحكيمة بين المحافظة على مراد الله تعالى من المكلف كما قررتها نصوص الشرع وقواعده، ودرء المفاسد الدنيوية الحاصلة بمصادمة الواقع أو اعتزاله، مع إبقاء وهج التطلّع العملي الإيجابي إلى إقامة سلطان القرآن في الفرد والمجتمع.

أما إفتاء الناس بما يجب أن يكون مطلقا، والحال أنهم غير قادرين -بكلفة مقبولة معقولة- على إقامة ذلك في أنفسهم ومجتمعاتهم، فإنه -فوق كونه يسيرا قليل المؤونة على قائله، لاعتماده على معاني الاحتياط وسد الذرائع ومراعاة الخلاف ونحوها- يفضي إلى انفصام آخر شديد الخطورة بين العامة وقيادتهم الشرعية، مما يفتح الباب أمام المتصدرين غير المتأهلين، ويفضي إلى تأخر مشروع تقويم الانحراف، وإرجاع الأمة إلى سكة قيادة البشرية مع طاعة خالقها.

وقد قال بعض السلف: (العلم عندنا الرخصة من ثقة (أو من فقيه)، فأما التشديد فكل يحسنه). وهذا إن صح قديما، فهو اليوم أصح!

فإذا كان الذي يبيح كل شيء مذموما لتميعه وفرط تساهله، فليس الذي يحرم كل شيء بأفضل حالا منه في مقياس الشريعة.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

إلى الأعلى