23 أغسطس, 2017

أدلة وجود الله (5)…صانع الساعات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
برهان الخلق – أو التصميم – الذي ذكرناه في المقال السابق، بصيغته القرآنية أولا، وبأسلوب علماء العقيدة المتقدمين ثانيا، يمكن تقديمه بأسلوب عصري، بالاعتماد أولا على أمثلة تقريبية، توضح مضمون البرهان للقارئ، ثم بصياغة منطقية مكونة من مقدمات تأتي بعدها نتيجة.

وقد عَرف هذا البرهان تطورات متلاحقة في صياغته، تبعا لأمرين اثنين:

أولهما: تقدم المعارف الطبيعية، سواء أكانت حقائق ثابتة بمقتضى المناهج العلمية المعتبرة، أو كانت نظريات مفسرة للظواهر الطبيعية بقطع النظر عن إثباتها العلمي.

والثاني: قوة النقد الإلحادي المثار حول هذا البرهان، وحجم الردود التي تواجهه.

وسأعرض في هذا المقال: صيغة أولى لبرهان التصميم، كان وراءها الفيلسوف اللاهوتي وليم بالي (William Paley)، المتوفى سنة 1805م، في كتاب له صدر عام 1802م(1).

المثال التقريبي: ”صانع الساعات”
لنفرض أن رجلا متمدّنا كان يتجول في صحراء قاحلة، فوجد فجأة أمامه: ساعةً جميلة، مكونةً من أجزاء صغيرة، وشكل هندسي جذاب.

وشرع الرجل في تفقد هذه الساعة، فاكتشف أمرين لهما أهمية بالغة:

الأمر الأول: أن الأجزاء الصغيرة المكوّنة للساعة، بالغة التعقيد والحساسية.

والأمر الثاني: أن هذه الساعة يظهر أن لها غاية تصلح لها (وهي الإشارة إلى الأوقات)، وكل جزء صغير منها له مساهمة دقيقة في تحقيق هذه الغاية. ولو أن أي جزء اختلف حجمه بزيادة طفيفة أو نقص قليل، لأثّر ذلك على عمل الساعة كلها!

ما الذي سيخطر ببال هذا الرجل المسافر في هذه اللحظة، في موضوع كيفية وجود هذه الساعة؟

لا شك أن الرجل – إن كان عاقلا – سيقول: ”إن شخصا ما صنع هذه الساعة”. وسيصل إلى نتيجة واضحة: لا ساعةَ إلا بصانعِ ساعات!

لنفرض الآن: أن هذا الرجل نفسه – أو غيره – كان يتجول في شوارع مدينته، ووجد كائنا حيا أمامه، لنقل: إنه سنجاب مثلا.

وبدأ الرجل رحلة التأمل في هذا الكائن: في تناسق أعضائه، وتناسب أحجامها مع الوظائف التي تقوم بها، وفي مساهمة كل عضو في تحقيق وظيفة الكائن كله، والحفاظ على حياته، وما أشبه ذلك.

ولنفرض أن الرجل تأمل عضوا واحدا كالعين مثلا، وأنه تدبر ما فيها من الأجزاء الدقيقة (كالشبكية والبؤبؤ والعدسة وغيرها) التي تخدم جميعها وظيفة العين، التي هي الإبصار. ولو أن هذه الأجزاء عرفت تغييرا طفيفا في الحجم أو المسافة بينها بمقدار صغير جدا، لما تحقق الإبصار، ولتعسرت حياة الكائن أو انعدمت!

بعد هذا التأمل، سيقول الرجل – ولا بد – كما قال من قبل عن الساعة:

”إن صانعا ما صنع هذا الكائن وأبدعه بهذه الهيئة المتماسكة العجيبة، ولا يوجد فرق مؤثر بين الصورتين!”.

نقد المثال السابق
يتركز النقد الأساسي للبرهان الذي قدّمه وليام بالي، في تلمّس فروق بين صورة الساعة في الصحراء، وصورة السنجاب (الكائن الحي)، وأن الاتفاق على الصورة الأولى لا يعني الموافقة على الصورة الثانية.

الفرق الأول
قد يقول قائل: إن المسافر كان لديه علم سابق بأن الساعات مصنوعة، وقد سبق له غالبا أن زار محلا لصناعتها. وليس الأمر كذلك في حالة السنجاب، فإنه ليس لنا معرفة مسبقة بخلقه!

والجواب: أن هذا الفرق غير مؤثر في صحة قياس صورة على أخرى.

والدليل على ذلك: أن هذا المسافر لو وجد شيئا آخر غير الساعة، لما تغير الحكم!

فلنفرض مثلا أن الحادثة وقعت منذ مائة سنة، وأن المسافر وجد بدلا من الساعة: هاتفا نقالا ذكيا، كالهواتف التي نستعملها اليوم(2)، وأنه قلّب هذا الهاتف واختبره وتدبر أحواله، حتى عرف وظيفته العامة، وعرف كيفية تشكل أجزائه المختلفة، والترتيب الدقيق بينها، ووظيفة كل جزء منها.

لا شك أنه سيقول حينئذ: ”هنالك صانع ما، صنع هذا الهاتف، وأتقن تصميمه”، مع أنه لم يشهد من قبل صناعة الهاتف، ولا كان له علم مسبق بطريقة تصميمه!

الفرق الثاني:
قد يقول قائل: إن الرجل الذي وجد الساعة، أدرك بأن حركات عقاربها تبين الوقت لحاملها، ولا شك أن معرفة الوقت وظيفة عظيمة النفع للإنسان. فاعتقاده بوجود صانع وراء تصميم هذه الساعة، سببه أن لديه علما مسبقا بأهمية وظيفتها، بحيث يغلب على ظنه أن صانعا ما قد صممها لتحقيق هذه الفائدة للبشر. وليس الأمر كذلك في حالة السنجاب، فقد لا يظهر له فائدة ظاهرة سهلة الإدراك(3)!

والجواب: إن هذا الفرق أيضا غير مؤثر.

فلو أن المسافر وجد – قبل مائة سنة – جوالا ذكيا، ولم تكن لديه أدنى فكرة عن فائدته بالنسبة للبشر، لَـحَكم بعد تأمل أضواء شاشته وعجائب ما فيه من الألوان المتناسقة، والأيقونات حسنة الترتيب، ونحو ذلك، بأنه مصنوع. بل لقال: ما أذكى هذا الصانع الذي صمّم هذه الآلة الغريبة!

فمعرفة فائدة الشيء ليست مؤثرة في الحكم بكونه مصنوعا أم لا.

الفرق الثالث:
قد يقول قائل: إن الساعة لا ”تتناسل”، فهذا المسافر سيلحظ أن الساعة لا ”تلد” مثلها، وليس لها أم وأب، وُلدت منهما. أما السنجاب فهو بعكس ذلك تماما.

والجواب: أن هذا الفرق كذلك غير مؤثر.

فلنفرض أن المسافر بعد تأمله الساعة ومعرفة وظائفها، تبين له أن لها خاصية عجيبة، وهي القدرة على إنتاج نسخ من نفسها!

ألا ترى أن أول خاطر سيخطر بباله هو: ”ما أعظم الصانع الذي صنع هذه الساعة، وما أشد عبقريته!”. ولن يخطر بباله قط، أن الساعة لا صانع لها، ما دامت قادرة على إنتاج نسخ من نفسها.

وإذا صح هذا في صورة الساعة، فهو صحيح أيضا في صورة السنجاب، فتوالده لا يمنع من الحكم بكونه مخلوقا، وأن هنالك صانعا صمّمه، بل إنه مما يدخل في إتقان الصنعة الذي يؤكد ضرورة وجود الصانع.

الصياغة المنطقية للبرهان:
بعد أن ذكرنا – تبعا لوليام بالي – هذا المثال التقريبي، فإننا يمكن أن نعيد صياغة البرهان في صورة مقدمات ونتيجة، لتكون صياغة منطقية مقبولة في حكم العقل.

وهذا يحتاج منا إلى استدعاء أحد المبادئ الفلسفية المعروفة، وهو: مبدأ الاستدلال بأفضل تفسير(4). وملخصه أننا حين نجد أنفسنا أمام حدث معين، يمكن أن يكون له تفسيرات مختلفة، وأن هنالك تفسيرا هو الأفضل، والأقرب إلى أصول العقل، فالواجب اعتقاد هذا التفسير والأخذ به على أنه التفسير الصحيح.

ونحن نعمل بهذا المبدإ في حياتنا اليومية مرارا، دون أن نتفطن له. بل لا تقوم الحياة إلا بذلك!

فلو أنك استيقظت في الصباح، فوجدت العشب أمام المنزل مبتلا، فإنك تحكم بسقوط المطر خلال الليل، لأن هذا هو التفسير الأفضل لما رأيته(5). ولو رأيت أن عيني ابنك محمرّتان، وأن أنفه يسيل، وأن حرارته مرتفعة، فإنك تحكم بأنه مصاب بنزلة برد، لأن هذا هو التفسير الأفضل لتلك الأعراض. وهلم جرا(6).

إذا استقر هذا، فلنذكر برهان التصميم، بحلته الجديدة:

المقدمة الأولى: قاعدة الاستدلال بأفضل تفسير. وقد سبق شرحها.

المقدمة الثانية: أجزاء الكائنات الحية مناسبة للحفاظ على حياتها، وأداء وظائفها على أكمل الوجوه.

المقدمة الثالثة: أفضل تفسير لما جاء في المقدمة الثانية: أن هنالك صانعا صمّم هذه الكائنات على تلك الهيئة المحكَمة.

النتيجة: يجب علينا اعتقاد وجود الصانع المصمّم لهذه الكائنات الحية.

ولا شك أن المقدمتين الأولى والثانية، لا إشكال فيهما، ولا يعترض عليها مؤمن ولا ملحد.

إلا أن المقدمة الثالثة، قد يعترض عليها الملحد بوجود تفسير آخر، غير وجود الصانع. وهذا التفسير هو: نظرية التطور الداروينية، التي تفسر تناسق هيئة الكائن الحي (السنجاب مثلا) وبديع ترتيب أجزائه، بما يسمونه: الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح.

ولكن الرد على هذه الشبهة، وبيان ما في نظرية التطور من الثغرات العلمية، يحتاج إلى سلسلة من المقالات المخصوصة لذلك. نسأل الله تعالى أن ييسّرها في المستقبل القريب.

وننتقل في رحلتنا هذه إلى صورة مختلفة من برهان التصميم، هو ما يسمى: ”برهان الضبط الدقيق”. وهو موضوع المقال المقبل، إن شاء الله تعالى.

هوامش المقال
1- Natural Theology: or, Evidences of the Existence and Attributes of the Deity”. Chapter 1: ”State of the Argument”; and Chapter 2: ”State of the Argument continued”. Page: 1-13.
2- أنا هنا مضطر لاستعمال آلة عصرية، مع إرجاع الحادثة زمنيا إلى الوراء، وذلك لعجزي عن تخيل شيء من المصنوعات المستقبلية.
3- وإن كان البحث العلمي الدقيق، قد يوصل إلى فوائد عامة على البيئة أو السلسلة الغذائية أو ما أشبه ذلك.
4- Inference to the best explanation.
5- إلا أن تكون في منطقة قاحلة، يكاد يمتنع فيها سقوط المطر في العادة، فقد يكون حينئذ التفسير الأفضل شيئا آخر، مثل أن البستاني هو الذي سقى العشب!
6- بل إن هذا المبدأ يجد له تطبيقات في مجال العلوم الطبيعية أيضا. يراجع مقال:
Inference to the Best Explanation, Richard Johns, October 2008, UBC-Faculty of Arts.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

إلى الأعلى