18 أكتوبر, 2017

أدلة وجود الله(2)..رهان باسكال وفوائد الإيمان

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

بيّنت في المقال السابق أن البراهين الدالة على وجود الله عز وجل كثيرة ومتنوعة، وأنها تخاطب أنواعا مختلفة من الملحدين أو من المتشككين، بحيث يمكن أن يجد كل واحد منهم فيها بغيته.

وقبل أن أبدأ بذكر هذه الأدلة، فإن من المناسب – لأسباب سأذكرها لاحقا إن شاء الله – أن أذكر شيئا يشبه الدليل في صياغته المنطقية، وإن كان في حقيقته قاصرا عن درجة البرهان العقلي المنضبط، وهو: رهان باسكال.

رهان باسكـال
اشتهر هذا الرهان في تاريخ الفلسفة، منسوبا إلى الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال، الذي ذكره مختصرا في كتابه المشهور: ” أفكار ” (1). ومبناه – بشكل ما – على نظرية الاحتمالات(2) المعروفة في عالم الرياضيات، وثمرته: استنتاج كون الخيار الأفضل للإنسان هو الإيمان بوجود الله، لأن هذا الإيمان يوفر له أكبر ربح ممكن مع خسارة محتملة ضئيلة؛ وهذا بقطع النظر عن الاستدلال العقلي على الأمر.

وملخص الرهان كالآتي:
من آمن بوجود الله وكان الله موجودا حقا، فجزاؤه الخلود في الجنة. وهذا ربح عظيم جدا بل: لانهائي.

ومن لم يؤمن بوجود الله وكان الله موجودا، فجزاؤه الخلود في الجحيم، وهذه خسارة كبيرة جدا، بل: لانهائية.

ومن آمن بوجود الله وكان الله غير موجود، فغاية أمره أنه لن يثاب ولن يعاقب في الآخرة. وأما في الدنيا، فهي ”خسارة” سببها الالتزام بشرائع الدين وتعاليمه، ولا شك أنها محدودة وضئيلة، إذا قورنت باللانهائي الموجود في الجنة أو النار!
ومن لم يؤمن بوجود الله وكان الله غير موجود، فلا ثواب ولا عقاب في الآخرة أيضا. وهنالك ”ربح” دنيوي ضئيل، مردّه إلى عدم الالتزام الديني (3).

ونتيجةُ هذه القسمة العقلية الواضحة أن الإيمان بوجود الله هو الخيار الأفضل مقارنة مع عدم الإيمان به!

نقد وبيان
مما ينبغي التنبيه عليه أن هذا الرهان ترد عليه إشكالات كثيرة، من أهمها أن صاحبه يضع احتمالين فقط، هما: وجود الله الخالق كما يعرفه أتباع الديانات السماوية، وعدم وجوده. ويلغي احتمال وجود أرباب أخرى متعددة ومختلفةٍ اختلافَ الأديان المنتشرة بين بني البشر!

وحينئذ فإن حساب الربح والخسارة، يقع أمام تعارض بين ما تطالب به هذه الآلهة المختلفة، خاصة مع اختلاف أوصافها وما تَعِد به من يتبعها!

ومن الإشكالات الورادة على الرهان: أنه يجعل الإيمان أمرا يمكن تكلفه، ولو مع عدم تيقن القلب به. وهذا إشكال عميق في جانبي الإمكان والثمرة معا.

فأما الإمكان: فهل يَقدر الإنسان على أن يصطنع الإيمان، إن لم يقتنع به؟

وأما الثمرة: فهل ينفع هذا الإيمان المصطنعُ صاحبَه أمام ربّه؟ وهل يقبل الربّ سبحانه من الناس الإيمان بوجوده على سبيل الاحتياط؟

وهنالك إشكالات أخرى، تتابع كثير من الفلاسفة على استخراجها، ودمغ الرهان الباسكالي بها، وتوجد أخرى يمكن استخراجها بشيء من التدبّر.

ولا شك أن باسكال حين وضع هذا الرهان، لم يقصد إلى الاستدلال العقلي المنضبط على وجود الله، وإنما قدّم للمتشككين المتحيرين الذين استوت لديهم الأدلة، أو تعارضت فلم يستطيعوا الترجيح والموازنة بينها، خيارا آخر غير خيار الحياد بين الإيمان والإلحاد، الذي صار يسيطر على نفوس الكثيرين.

وبعبارة أخرى، فإن الحياد ”اللاأدري” لا محل له في قضية خطيرة مثل هذه، هي أساس الوجود، ولبّ أبحاث العقائد والأديان، وما يتفرع عنها.

ومن هذا المنطلق، كان هذا الرهان – على ما يعتريه من نقص حجاجي واضح – صالحا لمخاطبة كثير من النفوس المتحيرة في زماننا هذا، على الأقل كحل مبدئي وشفاء مرحلي، يمكن – بل يجب – تطويره فيما بعد نحو الإيمان الراسخ، المبنيِّ على أسس عقلية ثابتة.

كما أننا يمكن أن نقول إن هذا الرهان يمكن عرضه بأساليب أخرى مختلفة، خاصة في تفصيل قضية الربح والخسارة، وذلك باعتبار الربح المعنوي المتيقن في الحياة الدنيا، بدلا من اعتبار الربح المحتمل في الآخرة.

وبعبارة أخرى: فإن كثيرا من الملحدين لا يجدون في حياة الإلحاد التي يعيشونها غير الحيرة الفكرية، والضيق النفسي، والضياع الأخلاقي، كما قال تعالى: { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا } (طه:122).

ويتوق كثير منهم إلى حياة الإيمان، التي يرون المؤمنين يعيشونها. وهي الحياة المفعمة بالاستقرار النفسي، والالتزام الأخلاقي المنضبط. فتكون هذه الرغبة دافعا إلى الإيمان الأوّلي ”البراجماتي”، الذي يمكن تطويره فيما بعد نحو إيمان حقيقي.

ولا يمكنني أن أغفل هنا تجربة خاصة لأحد الأفاضل الذين أعرفهم معرفة شخصية.

يحدث عن نفسه أنه كان في مرحلة من مراحل حياته مؤمنا بوجود الله، لا عن اقتناع عقلي ولكن لأن الإيمان – في نظره – مناسب له، وملائم للطمأنينة التي يرجو تحقيقها في حياته، ويفتقر إليها الملحد في معيشته المضطربة المتحيرة.
وكان يعبّر عن هذا بقوله بالفرنسية:

Je crois parce que cela m’arrange de croire!””
أي: أنا مؤمن لأن الإيمان يلائمني!

ثم ما زال الرجل مستمرا في رحلته الإيمانية، خائضا غمار البحث عن الحقيقة، متنقلا من الإشارات الوجدانية إلى البراهين العقلية المحكمة، حتى صار يخبر عن نفسه بعد سنوات بأنه صار متمكنا من فهم الأدلة العقلية الدالة على وجود الله، والاقتناع التام بها في قرارة قلبه!

ومن هنا تأتي أهمية الرهان الباسكالي – بصيغته الأصلية أو المعدّلة – في زعزعة أركان الشك الإلحادي، وإرشاد كثير من النفوس المتحيّرة إلى آفاق الإيمان الفسيحة.

وهو – كما أسلفتُ – لا يغني عن الأدلة العقلية الأخرى.

وذاك ما سأتناوله – إن شاء الله – في المقالات الآتية.

د.البشير عصام المراكشي
هوامش المقال:
1- Pensées, Blaise Pascal, Série II: Infini-rien, 418-233.
2- Théorie des probabilités.
3- أعبر هنا عند صياغة هذا الرهان الباسكالي، مراعاة للأمانة العلمية، بتعبيرات مخالفة لأصول الشريعة، في تحديد معاني الربح والخسارة.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

إلى الأعلى